تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
والمستشرقون لم ينكروا الدور التشريعي الذي لعبه الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة ، وقد أشاد بهذا الدور كل من « جولدزيهر وكولسون » وتغاضى عنه « شاخت » بسوء نية واصفا إيّاه بأنه لم يهتم مطلقا بتعديل القوانين العرفية ، وهذا خطأ فادح سوف نعود إلى مناقشته في كلّ آرائه . وقبل أن نفعل ذلك علينا أن نشير بوضوح إلى مصادر الفقه الإسلامي في هذه المرحلة والتي نراها محددة في القرآن الكريم خاصة بعد أن تمّ جمعه وحفظه وترتيبه في عهد أبي بكر وعثمان ، ثم قام الصحابة بإدخال الخط الإملائي والنقط والشكل في المصحف العثماني خاصة بعد أن فسد اللسان العربي بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأمم ، فزاد ضبط القرآن ومنع القرّاء والحفّاظ من الاختلاف في قراءته وتلاوته . وقد ساعد تدوين القرآن في تدوين آيات الأحكام من ضمنها ، الأمر الذي ساعد على نشرها بين المسلمين بطريق قانوني رسمي ، بحيث صار ميسورا للمسلمين كافة أينما كانوا حفظها والعلم بنصوصها من غير اختلاف في مفرد أو جملة « 1 » . أما المصدر التشريعي الثاني في هذا العهد فإنه يتمثل في السنّة النبوية التي اختلف فيها العلماء بين القائلين بتدوينها منذ هذا العهد ، وبين القائلين بعدم تدوينها إلى عهد « عمر بن عبد العزيز » . ومع ذلك حاول المسلمون في هذا العهد وضع معايير محددة للوثوق بصحة الأحاديث وثقة رواتها ونقدها سندا ومتنا طبقا لما أشرنا إليه تفصيلا في مباحث سابقة . إلّا أن شيوع رواية الأحاديث لم تكن بذلك الانتشار في هذا العهد ، ومن هنا كان تشدّد الخليفتين أبي بكر وعمر في قبول الأحاديث التي تروى لهما ، فكانا لا يقبلان الأحاديث إلّا ما شهد به اثنان أنهما سمعاها عن الرسول ذاته « 2 » . ومن الصحابة من كان يستحلف الراوي أنه سمع الحديث عن رسول اللّه كعليّ ابن أبي طالب « 3 » ، ومنهم من كان يرد الحديث لضعف ثقته بالراوي كاجتهاد ابن مسعود في قضية بروع بنت واشق الأشجعية ، وردّ عليّ للحديث الذي استند إليه ابن مسعود في فتواه بقوله : « لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه » « 4 » . ومن الصحابة من كان يرد الحديث ولا يعمل به ، لعلمه بأن الحديث منسوخ ومعرفة الناسخ له ، كتطبيق
هامش
( 1 ) عبد الوهاب خلّاف ، خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 35 . ( 2 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 62 . ( 3 ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام ، ج 1 ، ص 175 ، أورده زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 63 . ( 4 ) زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 63 ، 64 .