والأحكام الكلية القرآنية وما ورد منها في السنّة النبوية ، وتقعيد القواعد استنادا إليهما بطريق الاجتهاد واستنباط الأحكام الجديدة من أدلّتها التفصيلية .
هكذا سلك الخلفاء الراشدون منهجا محددا لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، ويتمثل هذا المنهج في البحث عن حلول للمسألة المطروحة أمامهم في القرآن الكريم فإن وجدوها كان هو المبتغى ، وإلّا التجئوا إلى السنّة فإن وجدوها قالوا بقولها وإلّا سألوا الناس عنها فلربما يكون أحدهم قد سمع هذه الحلول من الرسول أو قضى بمثلها ، فإن جانبهم الحظ اجتهدوا برأيهم مستندين في ذلك إلى الأحكام الكلية القرآنية مستخدمين الأدوات الجديدة التي تساعدهم على استنباط تلك الأحكام كالقياس والاستحسان والمصلحة .
وآية ذلك ما أخرجه البغوي عن ميمون بن مهران قال : « كان أبو بكر الصدّيق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب اللّه تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به وإن لم يجد في كتاب اللّه نظر في سنّة رسول اللّه فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به ، وإن أعياه أن يجد في سنّة رسول اللّه جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به ، وكان عمر رضي اللّه عنه يفعل ذلك ، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنّة نظر : هل كان فيه لأبي بكر قضاء ؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلّا دعا رؤوس الناس ، فإذا اجتمعوا على أمر قضى به » « 1 » .
ونحن نعتقد أن المنهج الذي سلكه أبو بكر ثم عمر في استنباط الأحكام الشرعية بهذه الطريقة قد استند إلى ما رواه سعيد بن المسيب عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال :
قلت : يا رسول اللّه ، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ، ولم تمض فيه منك سنة ؟ قال :
« اجمعوا له العالمين من المؤمنين ، فاجعلوه شورى بينكم ، ولا تقضوا فيه برأي واحد » « 2 » .
وهذا المنهج طبقه الخليفة عمر عندما أوصى قاضيه « شريحا » بأنه إذا عرضت عليه قضية ليس فيها حلّ صريح في كتاب اللّه أو سنّة أو إجماع الناس فعليه أن يجتهد لها وإن شاء استشاره زيادة في الفائدة « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، ج 3 ، ص 32 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص ج 1 ، 53 ، 4 .
( 3 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 76 ، والأسلوب من عندنا .