في مختلف الفروع . كما كان الناس يوفقون بين تقاليد وعادات البلاد المفتوحة ذات الثقافات المختلفة وبين هذه القوانين الجديدة . وهكذا أصبحت الحياة الفقهية الإسلامية خاضعة للتقنين . والقرآن نفسه لم يعط من الأحكام إلا القليل ، ولا يمكن أن تكون أحكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة كلها مما جاء في الفتوح ، فقد كان مقصورا على حاجات العرب الساذجة ، ومعنيّا بها ، بحيث لا يكفي لهذا الوضع الجديد « 1 » .
ثمّ يتعرّض « جولدزيهر » في سياق حديثه عن السنّة النبوية باعتبارها مصدرا أساسيّا من مصادر التشريع في هذا العهد . وقد استعرضنا لك آراءه حولها وردودنا عليها في الجزء الأول من كتابنا فنحيلك إليها منعا للتكرار .
عالج « كولسون » تطور الفقه الإسلامي في هذا العهد تحت عنوان : « الواقع التشريعي في القرن الأول الهجري » . وهو ذات العنوان الذي اختاره « شاخت » لذات الموضوع .
ويرى « كولسون » أن حركة الفتوحات الإسلامية بما ضمّت من أجناس ، وثقافات وديانات مختلفة أدّت إلى خلق مشاكل واقعية لا قبل للعرب الفاتحين بها ، يضاف إلى ذلك تلك المشاكل الداخلية التي تعرّضوا لها خاصة فيما يتعلّق بالخلافة التي قادت إلى اندلاع الحروب الأهلية ، والفتن ، والثورات ، وقيام الأحزاب السياسية المعارضة للسلطة المركزية ، فقد حدّدت هذه الأحداث الجسام مجرى التطور التاريخي في القرن الأول الهجري « 2 » .
وفي حين يعترف « كولسون » بدور السنّة في وضع الأحكام القانونية ، الأمر الذي أدّى إلى وضع الأساس الأول لقيام بناء قانوني مستمد في مبادئ القرآن الأخلاقية ، فإنه يرى أن الرسول عليه السلام لم يحاول وضع ما يشبه أن يكون تقنينا كاملا مكتفيا بتقديم حلول لمشاكل آنية عرضت عليه . ونحن نرى قبل التوغّل في عرض أفكار « كولسون » حول تطوّر الفقه في هذه المرحلة أنه ليس من الضروري أن يكون البناء القانوني متكاملا بفضل التقنينات المنظّمة والمرتّبة ترتيبا موضوعيّا طبقا للمدونات والنصوص المعروفة لدينا حاليّا ، فالعبرة دوما بما تحتويه تلك المبادئ من أسس قانونية تحكم المجتمع لحظة التشريع . يضاف إلى ذلك أن الرسول لم يقدم حلولا جاهزة
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 39 بتصرف كبير .
( 2 )Coulson ; A History of Islamic Law , op . cit , p . 21 .