تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
واجهتهم فأعملوا الرأي والتدبير والاستنباط ، واستندوا إلى ما تركه لهم الرسول من القرآن الكريم وأحاديثه التشريعية الصحيحة ، فأعملوا النظر والبحث فيها وطبقوا القواعد الكليّة المقرّرة في هذين المصدرين ، وقاسوا الأمور على أشباهها ، ولجؤوا إلى جميع وسائل الاجتهاد وصولا إلى الحلول اللازمة للمشاكل التي واجهتهم ، وهكذا أخذ الفقه يتطور رويدا رويدا ، سالكا منهجا جديدا تلبية للمطالب المستجدة ، وإقرارا لقواعد قانونية « فقهية » جديدة كان لا مناص لهم من التنكّب عنها أو الالتفاف حولها . وفي هذه المرحلة الجديدة من مراحل تطور الفقه التي نؤرخ لها نجد أن المستشرقين قد مسّوها مسّا رقيقا ، ولم يتعمقوا في دراستها وبحثها كثيرا خاصة أنهم كادوا يجمعون على أن السنّة النبوية - التي أثرت الفقه الإسلامي في جميع مراحله - لم تتبلور في هذه المرحلة ، ولم تصبح مصدرا تشريعيا حقيقيّا إلا في نهاية القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث منه . فهذا « شاخت » يتعرّض إلى تطور الفقه في القرن الأول الهجري محدّدا هذا التطور في الأجيال الثلاثة اللاحقة لوفاة الرسول واصفا إياه بالأهمية البالغة من وجهة النظر التاريخية ، وبغموضه أيضا نظرا لنقصان الوثائق التي تتحدث عنه وندرتها ، ومشيرا إلى أنه قد تبلورت له خصائص مميزة نتيجة محاولة المجتمع الإسلامي خلق قواعد وأنظمة قانونية خاصة به . كما يشير من جديد إلى غياب الوثائق الصحيحة التي تدل على أن نظام العرب التحكيمي والقوانين العرفية بصورة عامة المعدلة والمكمّلة بالقرآن تؤلّف المصدر التشريعي في عهد الخلفاء الراشدين « 1 » . يرى « شاخت » أن الخلفاء الراشدين قد أصبحوا حقّا رؤساء سياسيين للمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول . ولكن لا يظهر لنا أنهم قد تصرّفوا كمحكّمين له . ولكنهم تصرّفوا بقدر كبير كمشرّعين لهذا المجتمع نتيجة انتمائهم إلى قبيلة قريش وبصفتهم كذلك حكاما وإداريين خاصة أنهم قد استمدّوا سلطتهم الدينية من الرسول . وهكذا فإنه خلال القرن الهجري الأول فإن الأنشطة الإدارية والتشريعية للحكومة الإسلامية لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى كما لا يمكن التمييز بينها . إن هذا التشريع ذا الطابع الإداري لا يهتم إلا قليلا - بل لم يهتم مطلقا - بتعديل القوانين العرفية « 2 » .
هامش
( 1 )Schacht , ( J . ) Introduction au droit musulman , op . cit , p . 25 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 25 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 239 | ساسي سالم الحاج