تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
العديدة التي يحتويها هذا الكتاب تنظم العلاقات بين الناس من جهة وبينهم وبين اللّه من جهة أخرى . ومن هنا جاء تقسيم الحقوق إلى ما هي للّه وحده ، وإلى ما هي للعبد ، وإلى تلك التي تدور بينهما فيتغلّب فيه حق أحدهما على الآخر ، ومن هنا فإن أحكام « كولسون » القاضية بعدم اهتمام القرآن بتنظيم العلاقات بين الناس باطلة ويمكن دحضها بسهولة من خلال العشرات من الأحكام التي تنظّم تلك العلاقات البشرية . ولم تكن الأحكام القرآنية عبارة عن معايير السلوك المطلوبة وليست جميعها تتصف بأنها أحكام « خلقية » وآية ذلك أن مثال شارب الخمر الذي أورده « كولسون » للتدليل على صحة فرضياته ليس صحيحا ، فقد عاقب النبي على شرب الخمر ، وسلك على منواله خلفاؤه الأربعة من بعده حتى اعتبره الفقهاء من جرائم الحدود التي لا يمكن التنازل عليها أو العفو عنها أو إسقاطها . أما بالنسبة إلى تحريم الربا فإنه وإن كان لم يرد في القرآن أو السنّة عقاب بدنيّ له ، إلّا أنه يعتبر باطلا من الناحية المدنية . وقد صدرت التشريعات الإسلامية الحديثة بتحريمه قطعا بين الأشخاص الطبيعيين ، كما أننا نرى أن العقوبة المعنوية المقرّرة له تعتبر أشد من العقوبات المدينة المادية البدنية حينما وصف القرآن آكله متخبطا كمن يمسّه الشيطان ، وكتهديد القرآن لمن يتعامل به بحرب شاملة لا تبقي ولا تذر ، مع أنه ليس هناك ما يمنع أداة التشريع من تقرير عقوبة تعزيرية له . ولا ضير على القرآن في اشتماله للكثير من الأحكام الخلقية لأنها هي أساس بناء الأمم والمجتمعات باعتبارها الركيزة الأساسية التي تقوم عليها حتى وصفت هذه المجتمعات بالدناءة وذهاب عزّها ومجدها إذا ذهبت أخلاقها . ثم إن معيار التفرقة لا يدق كثيرا بين المعايير الخلقية والمعايير القانونية الأخرى ، فما دامت الأخلاق تقود إلى بناء المجتمعات وسعادتها عن طريق التصرّف الذاتي النابع من الأفراد ذاتهم ، فإن مبدأ العقوبات على مخالفة هذه المعايير جاء كتعزير لها عندما انحطّت المعايير الخلقية واستلزم من المشرّع التدخّل لردع المخالفين لها . يضاف إلى ذلك أن النقد الموجّه للقرآن باعتباره مخالفا للمدوّنات القانونية الأخرى كالألواح الاثني عشر أو المدوّنات الحديثة لا يضير القرآن في شيء ولا يعتبر عيبا فيه ، لأنه ليس مدوّنة فقهية كما أسلفنا أولا ، وأن الأحكام الفقهية الواردة فيه جاءت متناثرة في سور عديدة طبقا للنوازل والقضايا التي تنظمها وتقعد القواعد القانونية لها ثانيا . ثم إن الأحكام القرآنية كثيرا ما تبتعد عن العقوبات المادية وتستبدلها بالعقوبات المعنوية والأخروية مخاطبة لضمير الإنسان واحتراما لذاته أكثر من تعاملها مباشرة مع جسده وإرهابه بتسليط العقاب