وجدا الماء بعدئذ ، فأعاد أحدهما صلاته ، ولم يعد الآخر ، فصوّبهما الرسول . وقال للذي لم يعد صلاته : « أصبت السنّة ، وأجزأتك صلاتك » . وقال للذي أعاد صلاته :
« لك الأجر مرتين » « 1 » . ومنها : إذن الرسول لعمرو بن العاص بالقضاء في خصومة ، وهو بحضرته ، فقال عمرو : أأجتهد وأنت حاضر ؟ فقال الرسول : « نعم إن أصبت فلك أجران ، وإن أخطأت فلك أجر واحد » « 2 » .
ولكننا نرى أن اجتهاد الصحابة في هذا العهد لا يعتبر من المصادر التشريعية المعتبرة إلّا إذا أقرّهم الرسول على ذلك . والحقيقة التي لا مناص من إقرارها أنه لا يوجد اجتهاد في هذا العصر يعتبر مصدرا تشريعيّا ، فالرسول وحده كانت له السلطة التشريعية دون سواه كما قال « شاخت » ، وهذه السلطة يستمدّها إمّا عن طريق الوحي ، وإما عن طريق الاجتهاد الذي يقرّه الوحي عليه إن كان صوابا أو يردّه إلى سبيل الرشاد والصواب إن كان خطأ .
وخلاصة القول : إن مصادر التشريع في هذا العهد تنحصر في القرآن الكريم والسنّة النبوية باعتبارها شاملة لاجتهاد الرسول واجتهاد الصحابة إذا أقرّهم الوحي على ذلك ، ولا شيء سواهما ، فالقياس مثلا لا يعتبر مصدرا في هذا العهد لأنه نوع من أنواع الاجتهاد بل هو الاجتهاد بعينه كما قال الشافعي . ولا يعدّ الإجماع مصدرا تشريعيّا هو الآخر لأنه لا إجماع إبّان حياة الرسول . ولا تعتبر الأعراف القبلية من المصادر التشريعية - كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين - فإذا أقرّت بعض هذه الأعراف الصالحة فإن إقرارها ليس نابعا من ذاتها وإنما كان بوحي من اللّه .
فإذا كان للرسول وحده دون سواه سلطة التشريع ، فإن الشريعة في هذا العهد قد كملت أصولها وقواعدها قبل وفاته . أما ما كان بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فإنما هو بيان للأحكام بطريقة تطبيق القواعد العامة والاستنباط من النصوص وتسمية هذا بالتشريع تسمية مجازية لا حقيقية « 3 » . كما أن الفقه في هذا العهد واقعي لا يعنى إلّا ببيان الأحكام عن الوقائع النازلة ، ولا يعنى بفرض المسائل وتقعيد القواعد القانونية لها ، وأن الفقه ثبت متفرقا متتابعا حسب الوقائع والمناسبات ، ولم يدوّن من هذه
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ج 1 ، ص 117 .
( 2 ) ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام ، ج 6 ، ص 26 .
( 3 ) عبد العال عطوة ، المدخل إلى الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 212 .