تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
نزل عليه الوحي وألغى هذه الطريقة في منابذة النساء ، وفرض على من يظاهر زوجته الكفّارة بين عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا « 1 » . وذهب فريق من الأشاعرة وبعض المعتزلة كالجبائي وابنه أبي هاشم إلى أنه لا يجوز للرسول الاجتهاد وأنه محال في حقه . وذهب غيرهم إلى أنه يجوز له الاجتهاد ، ولكن هؤلاء اختلفوا بدورهم ، فذهب بعض الأشاعرة والمتكلّمين إلى أنه وإن جاز له الاجتهاد لكنه لم يقع منه أصلا . وذهب أبو بكر الباقلاني إلى جواز الاجتهاد له في المسائل الحربية خاصة استنادا إلى واقعتي غزوة بدر « 2 » . ونحن نرى أنه من الصعوبة بمكان اعتبار اجتهاد الرسول الشخصي من مصادر التشريع في هذه المرحلة ، لأنه كان دوما مؤيّدا بالوحي ، فإن اجتهد برأيه في مسألة من المسائل فإنه ينتظر رأي الوحي فيها فإن وافقه أصبح رأيه في المسألة المطروحة مصدرا من مصادر التشريع ، وإن خالفه الوحي في اجتهاده طرح ذلك الرأي ولا يعتدّ به . ومن هنا قولنا : إن اجتهاد الرسول لا يعتبر مصدرا فقهيّا مستقلّا ، لأن اجتهاده مرجعه الوحي فإن كان صوابا أقرّه عليه وإن كان خطأ نزل الوحي بتسديده وإرشاده إلى الصواب . وهذا ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم السنة بالمعنى الواسع لهذا الاصطلاح ، وبذلك يكون قد انحصر التشريع في هذه المرحلة في القرآن الكريم وفي السنّة النبوية طبقا للتصنيف الذي أتينا على ذكره . وكما اختلف المسلمون في اجتهاد الرسول ، اختلفوا كذلك في اجتهاد صحابته في عهده ، فمنهم من جوّز ذلك مستندا إلى عدة وقائع حصلت في زمانه منها : إقرار الرسول معاذا على الاجتهاد عندما بعثه قاضيا لليمن ، ومنها : رجوع النبي من غزوة الأحزاب وتوجيهه المسلمين إلى حرب بني قريظة فقال لأصحابه : « لا يصلّين أحدكم العصر إلّا في بني قريظة » فذهبوا مسرعين إلّا أن بعضهم أدركته العصر فصلاها في الطريق وأخرها بعضهم إلى أن صلاها هناك وفهم من كلام الرسول بذلك الحديث السرعة في السير إلى المكان الموعود ، فلمّا احتكم إلى النبي لم ينكر عليهم ذلك « 3 » . ومنها خروج صحابيين في سفر وحان وقت الصلاة ولم يكن معهما ماء ، فصلّيا ثم
هامش
( 1 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، المرجع السابق ، ج 17 ، ص 299 . ( 2 ) عبد العال عطوة ، المدخل إلى الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، هامش ص 205 . ( 3 ) ابن قيّم الجوزية ، أعلام الموقعين ، ج 1 ، ص 176 ، إدارة الطباعة المنيرية .