تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
المصادر إلّا القرآن الكريم ، وإن كان هناك رأي يرى أنه قد بدئ في تدوين السنّة منذ هذا العهد « 1 » . وإذا تركنا ذلك كله ، وناقشنا المستشرقين في كلّ الجزئيات التي تطرقوا إليها حول مكانة السنّة في التشريع في هذا العهد ، فإننا نرى أن حجج المنكرين لدورها التشريعي في هذه الحقبة الزمنية التي نؤرّخ لها قد دحضناها جملة وتفصيلا في الجزء الأول من كتابنا ، وليس هناك من داع إلى إعادة تلك الحجج منعا للتكرار ونحيل القارئ إليها ليستقرئ بنفسه هشاشة حججهم وجدالهم . أما من أقرّ للسنّة بدورها التشريعي في هذا العهد كما أقرّ بذلك للقرآن الكريم كالأستاذ « كولسون » فإننا نسمح لأنفسنا بمناقشته ومجادلته في رأيه حولهما طبقا للمنهج الذي سلكناه في مباحث هذا الكتاب . يرى « كولسون » أن تطوّر الفقه الإسلامي في مراحله الأولى والذي كان القرآن أساسه الرئيسي لا يعدو أن يكون تعبيرا عن الأخلاق الدينية الإسلامية . وقال في مكان آخر : إن القرآن الكريم لم يترجم المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع متحضّر إلى بناء قانوني للحقوق والواجبات . ولم يستهدف تنظيم علاقة الإنسان بالإنسان بل استهدف بالدرجة الأولى علاقة الإنسان بخالقه ، ووصف أحكامه « بالخلقية » . ونحن نرى مع آخرين اختلاف مفهوم الأحكام القرآنية لدى المستشرقين وغيرهم من المسلمين ، فالقرآن ليس كتابا تاريخيّا مع احتوائه على العديد من قصص الأقوام الغابرة ، والأنبياء والسابقين ، وهو ليس كتابا فقهيّا يحتوي على نصوص قانونية محددة كما هو الشأن في المدوّنات الفقهية القديمة أو الحديثة . وليس كتابا سياسيّا دستوريّا يحدّد فيه معالم الدولة الجديدة من حيث الفصل بين السلطات والعلاقات بينها . وليس كتابا علميّا يحتوي على النظريات العلمية المجرّدة التي اكتشفها العلم عبر مسيرته الحضارية المستمرة ؛ ولكنه كتاب هداية وتبشير وإنذار ، فهو يهدي الناس إلى الطريق المستقيم ، ويبيّن لهم المناهج التي عليهم سلوكها في الدنيا والآخرة ، وينظّم المعاملات بين الناس كما ينظّم العلاقات بينهم وبين خالقهم . وكم من الأحكام الفقهية
هامش
( 1 ) د . ساسي سالم الحاج ، الظّاهرة الاستشراقية وبعض القضايا الإسلامية ، الجزء الثاني ، القسم الثاني ، مذكرات مطبوعة على الآلة الكاتبة ، ص 567 .