بشدة موقف الإسلام المتشدد تجاه الحركات الإلحادية والملحدين . وهو يرى في هذا الموقف ذلك التطابق بينه وبين المسيحية التي تمقت بدورها الإلحاد والملحدين وترى فيهما جريمة ضد الإنسانية « 1 » . ويصيب لامارتين كبد الحقيقة عندما يقرر أن التعصب لامكان له في الشرق ولكن مرتعه الخصب يقع في الغرب وهو يقول في هذا الصدد : « إن الاضطهاد بعيد عن أخلاقيات الشرق وهو أقرب منه إلى أخلاقيات أوروبا » « 2 » .
وفي ختام رحلته إلى مصر يقرر لامارتين البقاء بصورة نهائية في لبنان بالقرب من قبر ابنته التي واراها التراب هناك ، وعزم على تأسيس تعاونية زراعية لكي يبقى دوما بجوار ثراها . ولو تحقق له هذا المشروع فإن لامارتين يعتبر أول أوروبي أسس مستعمرة غربية في الشرق . وهذه الفكرة لاقت قبولا حسنا لديه لأنها تنسجم ومشاعره الملتهبة التي سخرها لتدخل أوروبا في الشرق ، وهكذا ربط بين مشروعه الشخصي للبقاء في الشرق ومشروعه السياسي لاستعمار هذه المنطقة من قبل الغرب . ولكنه عدل عن تحقيق هدفه الاستيطاني لأسباب عديدة منها نقص الرساميل لديه ، أما بالنسبة لتنبؤاته السياسية فإنها قد تحققت فعلا عام 1860 م ، عندما اجتاحت القوات البريطانية والفرنسية أرض الشام ، ولكن هذه الحملة المشتركة لم تكن موافقة لهوى لامارتين وتطلعاته السياسية الذي تمنى دوما أن يكون لفرنسا وحدها اليد الطولى في الشرق .
عبّر لامارتين بوضوح في كتاباته عن ضرورة التدخل الأوروبي في الشرق وحسم هذه القضية التي أطلق عليها تاريخيا مصطلح « المسألة الشرقية » وقد عرض بالتفصيل إلى الظروف المواتية لتحقيق مشروعه الاستعماري خاصة الضعف والانحطاط اللذين أصابا الإمبراطورية العثمانية ، وكره العرب لها نظرا لاستبداد حكامها وتسلطهم على مقدرات أهلها . كما حلّل بدقة ووضوح الأحوال الداخلية والخارجية الفرنسية والتي أصبحت جميعها صالحة لتحقيق مشروع غزو الشرق واستعماره . وأشار بصراحة إلى الفراغ الذي يجب ملؤه في الشرق وهو ذات النظرية التي ما زالت معولا بيد الاستعمار الغربي إلى الآن والمبرر المقبول لديه للتدخل في أحوال الشرق لملء هذا الفراغ الشاغر دوما حسب منطق مصالحه . كما أشار لامارتين إلى المنافسة الاستعمارية
هامش
( 1 )Claudine Grossir , L'islam . . . op . cit , p . 120 .( 2 )A - Lamartine , A - Souvenirs , op . cit . , p . 296 . B - Ibid , Souvenirs , op . cit , in Claudine Grossir , op . cit , p . 156 .