الخطأ كبقية زملائه عندما اعتبر أن العقيدة الإسلامية ترتكز أساسا على التوكل والقدرية ، ونفى عنها حرية الإرادة وخلق الإنسان لأفعاله سواء كانت خيرة أو شريرة .
وهو يرى في هذه النقطة ذلك التلاقي والانسجام بينه وبين المسيحية . ووحدة العقيدة هذه بين الديانتين هي التي أوجدت روح التلاقي والوفاق بينه وبين محدّثيه الشرقيين ، لأنه لم يرهم بذلك المنظار الذي وصفهم به شاتوبريان ، فقد وجدهم « نبلاء لطفاء هادئين ، واثقين بالقدرة الإلهية كالمسيحيين » « 1 » . وعبّر بصراحة وبلاغة عن هذا التقارب الإسلامي المسيحي عندما ألقى خطبة أمام حاكم القدس قال فيها : « أجبت عن الحاكم قائلا : إنه بالرغم من ولادتي تحت دين آخر فإنني لا أعبد مثله إلّا اللّه . إن عبادته تدعى ( القدرية ) وعبادتي يطلق عليها ( قدرة اللّه ) ولكن كلا الاصطلاحين لا يراد بهما إلّا معنى واحد وهو أن اللّه هو الكبير ، وهو السيد وهو الكريم » « 2 » .
وانطلاقا من مبدأ القدرية الذي وصم به المسلمون ، فهو يستنتج أن المسلمين مستعدون لقبول السلام كما يستقبلون الحرب ما دامت هذه الأمور مفروضة عليهم من اللّه . ويقول في هذا الصدد « إن عقيدة القدرية جعلت من المسلمين أشجع شعوب العالم ، ذلك أن القرآن قد وعدهم بالنعيم الأبدي يوم الآخرة إذا ما ضحوا بأرواحهم في هذه الدنيا من أجل معتقداتهم » « 3 » .
إن تركيز لامارتين على إيمان المسلمين بقضاء اللّه وقدره لم يكن يقصد من ورائه بيان التلاقي بين المسيحية والإسلام ، ولكنه أراد أن يصل به إلى أغراض سياسية لا تخفى على ذوي البصيرة والأفهام . فهو يعتقد أن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل المسلمين يتقبلون التدخل الأوروبي في شؤونهم وكأنه أمر محتوم من اللّه لا سبيل إلى مقاومته ، لأنه ما دامت إرادته قضت باحتلال بلادهم من قبل هؤلاء الأجانب فإنما عليهم القبول بها لأنهم يقبلون بإرادة اللّه وقضائه . وقد روّج هذه الأفكار القدرية نابليون نفسه عندما احتل الأراضي المصرية وذلك بإصداره منشورات تحتوي على هذه الأفكار التي تتناقض والتعاليم الإسلامية . فيقول نابليون في أحدها : « أيها العلماء والأشراف اعلموا أمتكم ومعشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني ، وإنما خصامه
هامش
( 1 )Lamartine A . Souvenirs , Impressions , Pensees et Paysages pendant un voyage en orient , 1845 , p . 135 .( 2 )Ibid , p . 366 ; in claudine Grossir , op . cit , p . 117 .( 3 )Ibid , pp . 140 - 141 , in Claudine Grossir , op , cit . p . 118 .