تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
التقليدية بين بلاده وإنجلترا ، وهو يرى أنه ما دام قد احتل الإنكليز أرض مصر ، فعلى فرنسا احتلال الشام بكامله لإيجاد التوازن الاستراتيجي مع غريمتها الاستعمارية . وهذا المبدأ لا يزال صالحا للتطبيق حتى أيامنا هذه والذي يطلق عليه مبدأ إيجاد التوازن بين القوتين الأعظم في بقاع عديدة من الكرة الأرضية . وهكذا فإن التاريخ يعيد نفسه ، لأن الدعوات الاستعمارية التي بشّر بها المستعمرون منذ القرن التاسع عشر وعبأوا قواهم العلمية والثقافية لتنظيرها وتبريرها ما زالت صالحة للاستخدام وبنفس المنطق والحجج والبراهين في أيام الناس هذه . تخيّل لامارتين خطة الاحتلال الفرنسي للشرق في ثنايا كتبه منذ الوهلة الأولى التي وطئت فيها أقدامه أرض الشرق ، إلّا أنه عبّر عنها صراحة بعد وفاة ابنته عام 1833 م ، عندما انقطع عن الكتابة أربعة أشهر قضاها متأملا مفكرا ، وهدته تأملاته هذه إلى أن يكتب هذه الخطط الخيالية لاحتلال الشرق قائلا : « إن مغامرا أوروبيا واحدا بمساعدة خمسة أو ستة آلاف جندي أوروبي يستطيع القضاء على إبراهيم باشا ويحتل آسيا والبصرة والقاهرة وبغداد خطوة خطوة وبسهولة بالغة . وذلك بالتعاون مع المارونيين ، اللبنانيين من جهة وبالاعتماد على مسيحيي الشرق من جهة أخرى في الأعمال الإدارية والعسكرية . بل إن عرب الصحراء سيكونون بجانبه إذا استطاع شراءهم بالمال لأن هؤلاء لا دين لهم إلّا المال ، وربّهم دوما هو السيف والذهب » . إن العنصرين الأساسيين اللذين يجب الاعتماد عليهما هما القوة العسكرية والمال ، ولكن لامارتين لا يتمتع بأي منهما ، وبالتالي فإنه لم يدّع إمكانية تحقيق هذا المشروع بنفسه ، ومع ذلك فإن هذا الاقتراح يبين منه نظرته السياسية الواقعية ، إلّا أن الخيال يلعب دوره عندما يعتقد أن تحقيق مثل هذا المشروع يمكن أن يتم بواسطة مغامر أوروبي وحفنة من الجنود معه ، لأن الحقائق التاريخية أثبتت دوما خلاف هذه الافتراضات المتعسفة . كما أن أخلاق العربي وديانته ليستا دوما السيف والذهب . ويصبح هذا المشروع الاستعماري خياليا عندما يعتقد لامارتين أن المسلمين لا يتصدون لمثل هذا الغزو المسلح بدون مقاومة ، لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر الذي يزين لهم حب الغزاة والمستعمرين والانضواء تحت أكنافهم بحجة أن ذلك قضاء من اللّه وقدر لا مردّ له . ويصبح هذا المشروع أكثر إغراقا في الخيال عندما يعتقد لامارتين أن المسلمين لا يهتمون بالقضايا السياسية ، لأنه يعتقد بأن أتباعه - أي الإسلام - « سهلو