تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
من دعوة مواطنيه وحثهم على التدخل في الشرق ، والذي سيكون النجاح حليفهم بدون شك أو مواربة وذلك طبقا لمشاهداته وملاحظاته على أرض الواقع حسب قوله . وهو هدف سعى إليه الرحّالة والمستشرقون خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وقد تحقق ذلك بعد حين . إلّا إن الذي يعنينا من هذا السرد هو تسخير هؤلاء الناس طاقاتهم العلمية الاستشراقية لاحتلال الشرق وإعادة الهيمنة الأوروبية عليه ، وكان قصدنا من وراء ذلك إثبات الدور السياسي الاستعماري الذي لعبه الاستشراق في هذه الحقبة التي نؤرخ لها . لننتقل من شاتوبريان إلى لا مارتين لنرى الوجه الآخر للعملة ، ونحلل آثار الثورة الفرنسية بصورة عامة والحملة الفرنسية على مصر بصورة خاصة على الدراسات الاستشراقية . وهذا الأديب قادته هو الآخر قدماه إلى الشرق لتحقيق « الأنا » وحبّ الذات ، وهي الصفة المميزة لأدباء النصف الأول من القرن التاسع عشر « 1 » . فهو عندما بدأ رحلته المشرقية عام 1833 م ، فقد قام بذلك بوصفه شيئا قد حلم به دوما منذ طفولته . وتأكدت روح الأنانية لديه عندما قال عنها صراحة : « إن رحلة في الشرق هي مثل جليل من أفعال حياتي الداخلية » ، وهو كبقية الرحالة الفرنسيين كان ذهنه مشغولا بالمسائل الدينية إلّا أنه لم يتوجه إلى الشرق بصفته حاجا متقمصا لدور صليبي جديد كما فعل شاتوبريان ، لأنّه أعطى أهمية أكثر للأقاليم الشرقية الأخرى وخاصة لبنان أكثر مما اهتم بفلسطين التي تضم بيت المقدس . وحاول من خلال كتابه « رحلة إلى الشرق » إيجاد نقط التقارب والاتفاق بين المسيحية والإسلام . ومن هنا كانت أحكامه على الديانة الإسلامية أكثر موضوعية من سابقيه ، كما أنه لم يفصل بين الديانة الإسلامية كعقيدة وبين توجهاتها السياسية لأنه وجد التلازم واضحا بين المبدأين والهدفين ، وهذا الأمر صحيح إلى حد بعيد لأن الإسلام في حد ذاته هو دين ودولة خلافا للمسيحية التي تفصل بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية . لقد كان حكم لامارتين حول هذه النقطة صحيحا إلّا أنه حاول أن يعطي الأولوية للسلطة الدينية على السلطة الزمنية ، كما حاول أن يفصل بينهما حتى لا تجتمع العقيدة الدينية مع التوجهات السياسية الإسلامية . وبالرغم من التوفيق الذي حالف لا مارتين حول النقطة السابقة فإنه قد انحدر إلى
هامش
( 1 )Claudine Grossir op . cit , p . 15 .