تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
أننا حاولنا إبراز خصائص كل مرحلة لأنها تتغلب عادة على خصائص المراحل التي تليها . ومن هنا فإذا تحدثنا عن مرحلة الاستشراق الدينية فإنها لا تكون خالية من الدوافع العلمية والسياسية ، وإذا تناولنا مرحلة الاستشراق السياسية فإننا وإن نكن قد ركزنا على استخدام الاستشراق لأهداف سياسية استعمارية إلا أن هذه المرحلة لا تخلو من الإنتاج العلمي الغزير . وإذا وصفنا المرحلة الأخيرة من فصلنا هذا بأنها مرحلة الاستشراق العلمية فربما تبادر إلى ذهن القارئ منذ الوهلة الأولى أنها لا تتناول إلا الباعث العلمي للاستشراق . وتحرر هذه المرحلة من الأغراض الدينية والسياسية وارتكازها على الرغبة العلمية الصرفة وخلوها من الأهواء والدّس والتحريف ، ونتائجها متسمة بالأمانة العلمية ، والموضوعية في البحث والتقصي ، ولكن هذا ليس صحيحا مع الأسف الشديد لأن دوافع الاستشراق المختلفة تتداخل وتتشابك بعضها مع بعض فلا نستطيع تمييز مرحلة من أخرى . وربما يتساءل القارئ . لما ذا إذا هذا التقسيم إذا كانت كل مرحلة ليست منفصلة عن الأخرى ؟ والجواب : إننا قد لجأنا إلى هذا التقسيم لسهولة إبراز الموضوع ، ولمّ شعثه وشتاته نظرا لشموليته ، وتعدد أغراضه ، واتساعه ، يضاف إلى ذلك أن الباحث الذي يتناول مثل هذه الموضوعات المتسمة بالشمولية واللامحدودية عليه أن يقسم موضوعاته إلى أقسام وفصول لإبراز هذه الدراسة ، وبيان خصائص كل قسم وفصل حتى من باب الطرافة في التبويب إن لم يكن هناك جديد في مجال البحث والتقصي . ونظرا للاعتبارات السابق ذكرها فإننا عندما أشرنا إلى هذا الفصل بأنّه « مرحلة الاستشراق العلمية » فلا نقصد من وراء ذلك القول بأن الدراسات الاستشراقية قد سلمت الآن من الأغراض الدينية والسياسية ولم يبق أمامها إلّا الأهداف العلمية الصرفة ، فهذا ضرب من المحال ، وأمنية لن تتحقق ، فمهما اتجهت هذه الدراسات إلى الموضوعية العلمية ، ومهما حاول صنّاعها النأي بها إلى أغراض أخرى غير الأهداف العلمية فإنها تبقى دوما مجالا واسعا لاستخدامها في تحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بالموضوعية العلمية الصرفة المتسمة بالنزاهة والأمانة في العرض والتحليل ثم الاستنتاج . وإذا كان الأمر كذلك فعلى القارئ أن يفهم أننا سنتناول في هذه المرحلة النشاط العلمي الذي قام به المستشرقون سواء أكان هذا النشاط قد قام لأغراض علمية صرفة أو اقترن بتحقيق أهداف أخرى أشرنا إليها في إبانها . وبما أن دراستنا تتناول الظاهرة الاستشراقية وعلاقتها بالدراسات الإسلامية . فإننا