من ضلال عقله وفساد فكره ، فلا يجد ملجأ ولا مخلصا ينجيه منّي في هذا العالم . ولا ينجو من بين يدي اللّه لمعارضته لمقادير اللّه سبحانه وتعالى . . . . واعلموا أمتكم أن اللّه قدّر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي . . . وقدّر في الأزل أن أجيء من الغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها ، وإجراء الأمر الذي أمرت به . ولا يشك العاقل في أن هذا كله بتقدير اللّه وإرادته وقضائه . . . إلخ « 1 » .
إن هذه الدعوى الظالمة التي وصم بها الإسلام لا أساس لها في معتقداته ومبادئه وتعاليمه ، ولكن المستشرقين روّجوا لها وأساءوا استخدمها وأوهموا المسلمين بقبول الحكم الاستبدادي الظالم عليهم باعتباره قضاء من اللّه وقدره لا تجوز مخالفته وهذه الدعوى تبطلها الأحكام والآيات القرآنية العديدة التي تحث على العمل ، ومقاومة الظلم والاستبداد والاستغلال بجميع أشكاله وألوانه ، وتحث المسلمين على الجهاد في سبيل اللّه ، وعدم الرضا بتلك القواعد الظالمة التي لا تقرّها أحكامه . ومع ذلك فقد التجأ إلى هذه الفرية معظم المستشرقين لبسط السيطرة الغربية على أرض الإسلام والشرق ولم يكن لامارتين بمنجاة منها . وهكذا فإن روح التسامح والمحبة التي عبّر عنها تجاه الإسلام والمسلمين لم تكن صادقة . وكيف يمكننا أن نعتقد بصحتها طالما كانت هذه الادعاءات دعوات ملحّة ليقبل الشرق بتدخل الأوروبيين في شؤونه ؟ .
وبالرغم من هذا التضليل المتعمد الذي يردّده لامارتين في كتابه حول الإسلام ، فإنه ينعته في مقاطع عديدة بأنه دين التسامح والمحبة خاصة تجاه الديانات السماوية الأخرى . وفي هذه النقطة نراه يناقض ما ذهب إليه شاتوبريان عندما وصم هذا الدين بالتعصب الشديد وكرهه للديانات الأخرى . ويورد لامارتين العديد من الشواهد على هذا التسامح الإسلامي خاصة في مدينة القدس حيث كنيسة القيامة تدار بحرية من قبل سدنتها تحت الحكم التركي ، هذه الحرية التي لا يمكن أن تتمتع بها في ظل حكم أحد المذاهب المسيحية الأخرى لو كانت هي المسيطرة على المقدرات السياسية لهذه المدينة « 2 » .
وإزاء هذا التسامح الإسلامي تجاه معتنقي الديانات السماوية الأخرى فإنه يؤيد
هامش
( 1 ) د . محمد عبد الكريم الوافي : يوسف القرمانلي والحملة الفرنسية على مصر ، المرجع السابق ، ص 167 .
( 2 )Lamartine , Souvenirs , op . cit , p . 318 .