الانقياد وطيعون كما أنهم متعوّدو الطاعة للّه والسلطان ، ومستعدون دوما لتقبل المصير الذي يواجههم » « 1 » .
هكذا تتجلى الأغراض السياسية والاستعمارية لدى الرحّالة والمستشرقين الذين زاروا الشرق بعد حملة نابليون على مصر ، وكان هؤلاء جميعا نتيجة من نتائج هذه الحملة الثقافية ، وقد اقتصرنا على هذين الكاتبين شاتوبريان ولامارتين باعتبارهما أشهر الأدباء الفرنسيين في القرن التاسع عشر ، وبالرغم من الأفكار الفلسفية التي كانا يحملانها وبالرغم من شعارات الثورة الفرنسية التي ترسخت جذورها والمنادية بالإخاء والحرية والمساواة ، فإن الدعوة الملحة الصادرة عنهما إبان رحلتهما للشرق كانت تدعو بقوة إلى ضرورة استعماره والسيطرة عليه من قبل بلديهما . هذه الأهداف السياسية الاستعمارية الاقتصادية كانت دوما محل مطالبة ملحّة من قبل الرحّالة والمستشرقين الآخرين الذين يضيق بنا المقام لذكرهم ، لأننا أبحنا لأنفسنا منذ البداية الإتيان بنماذج محددة للاستئناس بها في دراستنا وللبرهنة على صحة افتراضاتنا من أن الاستشراق قد استخدم ولمدة طويلة لمشاريع استعمارية سياسية تحققت بعد حين على أرض الواقع . ولكن لم تكن للاستشراق هذه الأهداف الدينية والسياسية فقط لأنّ لديه أهدافا أخرى لعب دورا رئيسا لتحقيقها وهي الأهداف العلمية ، فما خصائصها يا ترى ؟ .
المبحث الرابع أهداف الاستشراق العلمية
عندما قسمنا الفصل الثاني من كتابنا إلى أربع مراحل مرّ بها الاستشراق ، لم نقصد من وراء هذا التقسيم أن كل مرحلة من المراحل التي أشرنا إليها مستقلة لوحدها بجميع خصائصها وبواعثها وإنتاجها العلمي ، ولكن هذه المراحل عبارة عن دوائر متداخلة في بعضها ولا تنفصم إحداها عن الأخرى ، ولا يمكن أن تستقل كل مرحلة بخصائص مميزة ، لأن كل مرحلة تحتوي على خصائص المرحلة التي تليها ، بل إن هذا التقسيم من الناحية الواقعية لا يستند إلا إلى إظهار بواعث الاستشراق وأهدافه . إلّا
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 157 .