تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ولم يحث على حبّ الحرية وذلك عندما يقول « إن كتاب محمد لم يحتو على أي مبدأ للحضارة ، ولا على أية تعاليم تسمو بالشخصية ، إنه لا يحضّ على مقت الاستبداد والطغيان ولا يحث على حب الحرية » « 1 » . إلّا أن حكمه الجائر هذا لا يستند إلى أية نصوص تؤيده أو شواهد تاريخية تعضده بل إن العكس هو الصحيح لأن المبدأ الأساسي المبثوث في القرآن هو مقت الاستبداد وحبّ الحرية . وهو عندما ينفي عن الإسلام تأييده للحضارة وحدبه عليها وتطويره لها فإنما يجافي الحقيقة التاريخية الدامغة التي تؤكد حضارية هذا الدين ومسعاه الجميل لدفع الحضارة البشرية دفعات قوية إلى الأمام ربما لم تلحظ له البشرية مثيلا عبر مسيرتها الحضارية الطويلة . ويبلغ تجني هذا الكاتب على المسلمين مداه حينما يصفهم بأنهم « يمضون وقتهم إمّا في خراب العالم وتدميره ، أو في النوم على الفرش المرفوعة وسط النساء والعطور » « 2 » . عندما نستعرض أفكار ذلك الكاتب الخيالي في هذا السياق فإننا نود البرهنة على الآثار السلبية للحملة الفرنسية على الشرق من جهة وعلى الدور السياسي الذي لعبه المستشرقون في الشرق من جهة أخرى . ذلك أن هذه الأفكار المبثوثة في كتب الرحالة وجدت لها أرضية مناسبة في أوروبا ، حيث نادت الأفكار الاستعمارية بضرورة احتلال الشرق من جديد وإعادة السيطرة عليه استنادا إلى هذه المعطيات والمعايير التي عبّر عنها أولئك الرحّالة المهووسون ، وما أفصحوا عنه من حالة الشرق المتدنّية وذلك الضعف الذي انتاب الأتراك بحيث أصبح في مكنة الغربيين التدخل في هذه الأصقاع . وهذه هي النتيجة ذاتها التي وصل إليها شاتوبريان في نهاية كتابه « دليل الرحلة من باريس إلى القدس » الذي سجل فيه تفاصيل رحلته المشرقية عام 1805 - 1806 م . فهو يسجل بكل فخر ما كان لنابليون من سمعة حسنة في الشرق من خلال ما عبّر عنه العرب والأتراك ، بل إنه يسجل في سفره أن العرب يتمنون عودة فرنسا لإنقاذهم من نير الأتراك ، وهي دعوة تفتقر إلى الصدق طالما لم تؤيدها الحجج والبراهين الدامغة . ومع ذلك فقد عبّر صراحة عن رغبته في عودة بلاده إلى الشرق من جديد ، ودعا إليها بكل ما أوتي من بلاغة وقوة حجة . بل إن الكاتب قد صوّر نفسه كمحرر لشعوب الشرق بعد نابليون إلّا أنه لا يمتلك الوسائل العسكرية اللازمة لتنفيذ مهمته . ومع ذلك فلم ييأس
هامش
( 1 )Ibid , p . 908 .( 2 )Ibid , p . 908 .