نابليون « 1 » بل إن هذا المذهب السياسي الذي أطلق عليه خطأ اسم الدين الإسلامي أسس من الناحية العقائدية مبادئ الاستبداد ويتميز بذلك النوع من الحكومات التي لا تعمل إلّا من أجل الخراب . ومن هنا فإن هذا الكاتب يعتقد أن الإسلام لا يؤلّف من هذه الناحية خطرا دينيا ولكن خطره السياسي هو الذي يجب الالتفات إليه لأنه يدعو أتباعه دوما إلى حبّ الفتح ويزين لهم محاسن التوسع والغلبة . ولعل هذا الكاتب قد تناسى أو أن مخيلته لم تسمح له بالتفكير أن خطر الإسلام من الناحية الدينية أقوى بكثير من الناحية السياسية حالة كون كلتا الحالتين متلازمتين لديه ، وحالة كون الآلاف من المسيحيين اعتنقوا مبادئه عندما فهموها على حقيقتها ولا يزالون هكذا إلى يومنا هذا .
لم يكن « القرآن » بالنسبة لهذا الكاتب إلّا قصة اخترعها محمد ، وإنه لا يحتوي على أي مبدأ للحضارة « 2 » . ولم تبق لديه إلّا المسيحية الجديرة بالعناية والتمجيد لأنها - حسب رأيه - الديانة الوحيدة التي تعطي للإنسان قيمته الحقيقية ، وهي الوحيدة التي تكافح الاسترقاق خلافا للإسلام الذي نص عليه صراحة وأباحه في القرآن « 3 » .
ويتناسى الكاتب في المقطع السابق ذلك التعايش الذي دام طويلا بين المسيحية والرّق ، وقد شاهد ذلك بأم عينيه عندما زار العالم الجديد قبل رحلته إلى الشرق ، ولم تتخذ المسيحية موقفا محددا من هذا النظام الاجتماعي البغيض إلّا بفضل الأفكار الفلسفية المنتشرة في أوروبا إبان القرن الثامن عشر ، أما الإسلام فإنه قد وجد هذا النظام راسخ الأركان فلم يستطع إلغاءه رسميا منذ البداية ، ولكنه شرّع من الوسائل ما كانت كفيلة بالقضاء عليه . ورغّب في العتق من الرق واتخذه نوعا من العبودية تقربا إلى اللّه ونوعا من التكفير عن الذنوب حتى يقضي عليه بصورة أبدية .
وعندما يتحدث عن الاستبداد في الشرق ويحلل العوامل المؤدية إليه فإن هذا الكاتب يجانبه الصواب كليّة ، ويعبر حقيقة عن كونه حاجا عائدا إلى الأراضي المقدسة كما عاد إليها الصليبيون منذ قرون . كما أن حججه الواهية لا تصمد أمام الحقائق العلمية الدامغة . فهو يرى أن سبب الاستبداد والطغيان راجع إلى القرآن باعتباره نصا دينيا من جهة ونموذجا لتنظيم الحياة الاجتماعية من جهة أخرى ، فهو لم يلغ الطغيان ،
هامش
( 1 )Ibid , p . 1068 .( 2 )Ibid , p . 1007 .( 3 )Ibid , p . 909 .