تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
كمعارض للإسلام باعتباره دينا لا يمقت الاستبداد والطغيان ، ولا يبشر بحب الحرية والتعلق بها « 1 » . كان شاتوبريان كارها للإسلام ، ماقتا لتعاليمه وينظر إليه على أنه العدو الأول والأخطر للدين المسيحي ، وهكذا حكم على هذا الدين الذي يؤمن بالتوحيد ، ويحتوي على مبادئ إنسانية وخلقية سامية ، ويهتدي بكتاب مقدس يفوق قدسية وصحة الإنجيل على أنه دين لا يؤمن بالحرية ، ولا يحبذ المساواة ولا يمقت الاستبداد والطغيان . وقد كوّن هذه الأفكار بطريقة حازمة ، وأحكام مسبقة ، وبنيّة سيئة حتى قبل أن يطلع شخصيا على الأرض التي ترعرع وانتشر فيها الإسلام ، بل إن هذه الأفكار المسبقة التي لا تصلح للحكم طبقا لمناهج البحث العلمي الصارمة قد صمم على التمسك بها ، وحاول ليّ الحقائق التي ظهرت له مخالفة لها حتى تتمشى وتلك الأفكار التي لم تبرهن الأرض والأحداث والمعرفة الجديدة التي حصل عليها على صحتها . كان شاتوبريان يرى خلال رحلته أن حضارة العرب ، وديانتهم ، وسلوكهم من الانحطاط والوحشية بحيث إنهم يستحقون الغزو من جديد ، ويرى كذلك أن الحروب الصليبية كانت من العدالة والإنصاف بحيث تنفي عنها أية صفات للاعتداء ، لأن تلك الحروب - حسب رأيه - لم تدر رحاها لإنقاذ كنيسة القيامة وحسب ، ولكنها دارت لمعرفة من الذي سينتصر على هذه الأرض ، هل ينتصر الإسلام الذي هو عدو للحضارة ، ومحبذ للجهل والطغيان والعبودية أو تنتصر المسيحية التي أدت إلى إيقاظ عبقرية الزمن الغابر في البشر المعاصرين وألغت العبودية الممقوتة ؟ « 2 » . وعندما يتحدث عن المسلمين بصفة خاصة والشرقيين بصفة عامة فإنه يراهم لا يعرفون شيئا عن الحرية ، وليس لديهم شيء من الاحتشام ، ودينهم الوحيد الذي يؤمنون به هو القوة ، وحينما تمر بهم فترات لا يرون فيها فاتحين يطبقون عدالة السماء ، فإنهم يبدون كجنود بدون قائد ومثل عائلة دون أب « 3 » . ويرى هذا الكاتب الخيالي المهووس بحب الذات أن الإسلام ليس دينا ولكنه عبارة عن مذهب سياسي ، فالنبي العربي ليس إلّا فاتحا شأنه شأن الإسكندر أو
هامش
( 1 )Claudine Grossir , L'islam des romantiques , maisonneuve et larose , Tome I , 1984 , p . 56 .( 2 )Chateaubriand ; Itineraire de Paris a jerusalem , 1969 , pp . 1052 - 1053 .( 3 )ibid , p . 1069 .