تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
القوة العسكرية وحدها ، ولكن من خلال المعرفة العلمية المنظمة وبمساعدة خريجي مدرسة اللغات الشرقية ورجال الدين المسلمين الذين ضمن لهم حرية العبادة . واستطاع الظهور بمظهر المتفهم للدين الإسلامي المحترم لمبادئه وسلوكياته . وزاد من شعبيته قضاؤه نهائيا على حكم المماليك البغيض للشعب المصري الذي اعتبره في فترة من الفترات كمحرر لهم من ربقة استبداد المماليك . إلّا أن الأرضية الإسلامية لم تكن مستعدة دوما لاستقباله كيفما يبتغي نظرا لغرابته ، ومن هنا كان لجوؤه إلى العلم والمعرفة بوساطة أولئك المستشرقين المصاحبين له في مغامرته الفريدة . ذلك أن بونابرت عندما غادر الأراضي الشرقية ترك وراءه آثارا من الصعب مسحها بسهولة . وعندما أسس المعهد الفرنسي بمصر الذي كان مكتظا بالعلماء في مختلف التخصصات كما ذكرنا ، لم يذهب أولئك جميعهم معه قافلين إلى بلادهم ، ولكنهم اختاروا البقاء في الأرض التي وصلوا إليها فاتحين ، وقد كان لبقائهم هذا أكبر الأثر في استمرار الوجود الفرنسي في الشرق طيلة القرن التاسع عشر بأكمله . هذه الحملة كما ذكرنا كان لها آثارها على الكتّاب الرومانسيين في مواجهة الإسلام ، ولم تخل كتاباتهم طوال ذلك القرن من ظل بونابرت الذي سيطرت صورته الحقيقية والأسطورية على مخيلاتهم . كما كان لهذه الحملة آثارها الخطيرة التي أدت إلى إعداد المشاريع المختلفة للتدخل الفرنسي في شؤون الشرق . وقد كان لهذه الآثار التدخلية صداها الواسع في كتابات شاتوبريان ولا مارتين مرورا بكتابات « دوماس » وتعززت هذه المظاهر جميعها بالاحتلال الفعلي الفرنسي للجزائر عام 1830 م . وإزاء هذه الآثار الثقافية والعلمية للحملة الفرنسية فقد واجه الكتّاب الرومانسيون الشرق بصورة عامة والإسلام بصورة خاصة بطرق مختلفة تراوح بين الإعجاب بهما والإشادة بمآثرهما وتراثهما الخالد ، وبين تلك الأفكار المسبقة واكتشاف الحقائق الجديدة المشوبة بالافتراضات الشخصية التي لا ترى في العلاقة بين الشرق والغرب إلّا ذلك التناحر المرسوم بالحروب المقدسة وامتدادا مباشرا للحروب الصليبية ، بالإضافة إلى تلك الملاحظات والتأملات التي تزخر بها عقلية أولئك الخياليين والمتمثلة أحيانا في معرفة الروح الدينية وأهميتها باعتبارها نوعا من اللغة الكونية التي يفهمها البشر كلهم كما قال شاتوبريان . صوّر شاتوبريان رحلته إلى الشرق في كتابه الموسوم « خط الرحلة من باريس إلى القدس » على أنها رحلة حج إلى الأراضي المقدسة ، ووضع نفسه منذ الوهلة الأولى