ما إن يحل ببلد ما إلّا ويباشر منذ الوهلة الأولى بدراسة أحواله ودقائق خصاله بدقة متناهية لا مثيل لها « 1 » .
إن أهم نتائج الحملة الفرنسية على الاستشراق هو الاتصال المباشر المنظم بالشرق ، والكشف عن طريق المعاينة والمشاهدة عن أحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتدبيج تلك الدراسات بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها . وأدت هذه النتائج العلمية التي كرست للمعرفة الشرقية قبل الحملة إلى تأسيس « المدرسة الأهلية » في الثلاثين من شهر مارس سنة 1793 التابعة للمكتبة الوطنية لتدريس العربية والتركية والفارسية ، وكان الغرض من تأسيسها إماطة اللثام عن الشعوب الشرقية ودراستها بطريقة علمية مباشرة . وقد تخرج في هذه المدرسة جميع مترجمي نابليون على يدي الأستاذ الشهير « دي ساسي » والذي أصبح فيما بعد معلم كل مستشرق بارز في أوروبا حيث سيطر تلاميذه على هذا الحقل ما يقارب ثلاثة أرباع القرن ، وكان كثيرون منهم نافعين سياسيا ، بالطرق التي كان عدد آخر نافعا لنابليون في مصر « 2 » .
والنتيجة الأخرى المنبثقة من الحملة الفرنسية على مصر هو إنجابها لمجموعة من العلماء والباحثين تخصصوا بالدراسات الاستشراقية ، وتضلعوا فيها إلى أبعد مدى ، وكانت نتائج أعمالهم ما يمكننا أن نطلق عليه « مرحلة الاستشراق العلمية » والتي سنفرد لها فصلا خاصا في دراستنا هذه . إلّا أنه قبل الوصول إلى تلك المرحلة فإن مناهج البحث العلمي تتطلب منا السير على النهج الذي نحن عليه ، ونحلل بشيء من التركيز آثار الرحالة والمستشرقين الفرنسيين الذين كانوا النتاج المباشر للحملة الفرنسية على مصر وهم الذين يطلق عليهم الأدباء الرومانسيون مثل شاتوبريان ، ولامارتين وفلوبير الفرنسيين ووليام لاين وبريتون البريطانيين ، وغيرهم من المفكرين الذين زاروا الشرق وإن لم يكونوا يبحثون عن الحقائق العلمية ، بقدر ما كانوا يبحثون عن حقائق رومانسية لها جاذبية خاصة حيث وجدوا في الشرق مكانا يتفق مع أساطيرهم ، وهوسهم ، ومتطلباتهم الفردية الخاصة .
نعم لقد اتخذ نابليون كتابات « فولني » دليلا يهتدي بها عندما جرّد حملته ضد مصر وسوريا ، إلّا أنه استطاع السيطرة على الأرض الشرقية المفتوحة ليس من خلال
هامش
( 1 ) د . الوافي ، المرجع السابق ، ص 211 ، بتصرف كبير .
( 2 ) إدوارد سعيد ، الاستشراق ، المرجع السابق ، ص 109 .