تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ذكرنا أن نابليون أحضر معه لفيفا من العلماء في جميع مناحي المعرفة الإنسانية تجاوز عددهم المائة والخمسة والسبعين ، منهم واحد وعشرون عالما في الرياضيات ، وثلاثة من علماء الفلك ، وسبعة عشر مهندسا مدنيا ، وثلاثة عشر عالم طبيعيات ، وعشرات متخصصون في علم الاقتصاد والفنون الجميلة ، وعمال المطابع المهرة ، والمترجمون وغيرهم . وتوج هذه التظاهرة الثقافية الكبرى بتأسيس « المجمع العلمي المصري » وكان يضم بالخصوص ثمانية من علماء الرياضيات ، والاقتصاد السياسي والآداب ، والفنون وأسند رئاسته إلى عالم الرياضيات الشهير « جاسبار مونج » في حين اتخذ نابليون لنفسه لقب « نائب رئيس المجمع العلمي المصري » وكان يفتخر جدا بهذا اللقب حتى إنه كان يوقع به العديد من بياناته وقراراته بدلا من لقبه العسكري كقائد أعلى للحملة الفرنسية « 1 » . اهتم نابليون بالحياة الثقافية الشرقية ، فأحضر معه من فرنسا مطبعة عربية فرنسية أطلق عليها اسم « المطبعة الشرقية » وجمع لها أحرفا عربية وفرنسية ويونانية ، وعبرية وسريانية وقبطية . وكان من نتيجة العمل الثقافي للعلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر تأليف كتاب ضخم أعطي تسمية « وصف مصر » طبع في ثلاثة وعشرين مجلدا ، وهذا الإنجاز العلمي هو ثمرة الاستشراق والمستشرقين ، وذلك عندما أراد نابليون أن يجعل مصر مفهومة ومفتوحة للعالم الغربي . ويستنتج الباحث من مقدمة هذا السفر الضخم أن هؤلاء الباحثين الفرنسيين عالجوا بصرامة وبصورة مباشرة نمطا من الدلالة الثقافية والجغرافية والتاريخية ، نظرا لموقع مصر الاستراتيجي والإمكانات الهائلة التي تزخر بها . لقد تعرض هذا الكتاب - الذي تبلغ مساحة الصفحة الواحدة منه مترا مربعا - لتاريخ مصر منذ العهود الموغلة في القدم وحتى الحملة الفرنسية عليها . كما تعرض بالتفصيل لوصف تاريخها الطبيعي ، ودراسة ثرواتها المختلفة ، ومحاصيلها الزراعية ، وحياتها النباتية والحيوانية ، وطبائع سكانها وعاداتهم ، وهكذا كما ترى فإن الاستعمار
هامش
( 1 ) د ، محمد عبد الكريم الوافي ، المرجع السابق ، ص 208 .