« ماجللون » الذي كان يوجه إلى رئيسه التقارير المفصلة عن الحالة السياسية المصرية تحت حكم المماليك ، وأضاف هذا القنصل في أحد تقاريره أنه بعد احتلال مصر فإنه بمكنة فرنسا احتلال الهند ببضعة آلاف من الجنود فقط للقضاء نهائيا على النفوذ البريطاني في تلك الأصقاع « 1 » .
لم يبادر نابليون إلى تنفيذ مشروعه إلا بعد اطلاعه على العديد من الكتب والتقارير التي وصفت أحوال مصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وصفا دقيقا ، وهذه التقارير كما رأينا مستقاة من مشاهدات وكتابات الرحالة الفرنسيين الذين سبق لهم أن تجولوا في مصر واطلعوا على أحوالها وقدموها عارية إلى سيدها الجديد ، وجلّ هؤلاء من المستشرقين المتضلعين في معرفة القضايا الشرقية .
استوعب نابليون كتابات الرحالة والقناصل والتجار الفرنسيين ، وتسلح بفريق من المستشرقين حملهم معه للاستعانة بهم في حكم مصر والأصقاع الشرقية الأخرى التي سيفتحها . واستغل المسائل الإسلامية أيما استغلال عندما وصل إلى التراب المصري وادعى بأنه مسلم حقيقي في إعلانه الذي وزّعه على سكان الإسكندرية يوم 3 من يوليو عام 1798 م « 2 » . واستغل كذلك عداء المصريين للمماليك ، وأوهمهم بأنه قد أتى إلى بلادهم لتحريرهم من نير المماليك أعداء الإسلام ، كما استغل الجاذبية الفكرية للثورة الفرنسية والتي كان أحد مبادئها الثلاثة المساواة ، فأوهمهم بأنه لا فرق بينهم وبين جنوده ، كما استعان بعلماء الدين لحكم البلاد عندما أسس « الديوان العام » الذي عين فيه العديد من أعيان البلاد ومشايخ الجامع الأزهر بالرغم من أنه لم يكن لهذا الديوان أية صلاحيات من الناحية الفعلية ، ثم أعاد تكوين هذا الديوان من جديد وألفه من ستين عضوا معظمهم من مشايخ الأزهر ، ودعا هؤلاء العلماء الستين إلى مجلسه ليلقي فيهم خطبة بليغة مملوءة بالنفاق والرياء حينما أبدى إعجابه بالقرآن والدين الإسلامي ونبيّه وامتدح المبادئ الإسلامية والخصال المحمدية الكريمة . وعندما ألجأته الظروف إلى مغادرة مصر ألحّ على خليفته « كليبر » بأن يدير أمور مصر من خلال المستشرقين والقادة الدينيين المسلمين الذين يمكنه استمالتهم إلى جانبه .
هامش
( 1 ) د . محمد عبد الكريم الوافي ، يوسف باشا القرمانلي والحملة الفرنسية على مصر ، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ، طرابلس ، 1984 م ، ص 74 .
( 2 )Thiry ; Bounaparte en Egypte , p . 126 . S . D .