تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
في العالم الجديد ، وعندما دحرتها أيضا إبان تنافسهما على امتلاك الهند ، قررت فرنسا الجمهورية الأخذ بثأرها من عدوتها اللدود خاصة أن بريطانيا منذ إعلان النظام الجمهوري في فرنسا كانت أكثر الدول الأوروبية عداء وتصديا لها . ولما عجزت فرنسا الجمهورية عن قهر الإمبراطورية البريطانية في عقر دارها ، قررت قطع مواصلاتها مع الهند ، ونظمت حملة عسكرية بقيادة « بونابرت » ، خاصة أن إنجلترا نافست التجارة الفرنسية في الشرق الأقصى حالة كونها تمتلك في الهند شركة استعمارية عرفت في التاريخ تحت اسم « شركة الهند الشرقية » . وقد تمّ تصفية هذه الشركة بعد المنافسة البريطانية الشديدة لها . وقضت بذلك نهائيا على النفوذ الفرنسي في تلك الأصقاع . عزم نابليون على توجيه ضربة قاضية للإمبراطورية البريطانية ، فقرر الاستيلاء على مصر ثم الشام وأخيرا إذا وجد الظروف ملائمة لحملته فإنه سوف يستمر في زحفه حتى الاستيلاء النهائي على الهند باعتبارها لؤلؤة التاج البريطاني . يضاف إلى السبب الرئيس الآنف بيانه أن نابليون كان منجذبا إلى الهند منذ صباه . وقام بتلخيص كتاب « ماريني » المسمى ب « تاريخ العرب » ، كما أنه كان يتشبه كثيرا بالإسكندر المقدوني باعتباره المثل الأعلى له ، والذي حاول تتبع خطواته في الشرق . هذه المسائل العاطفية ممزوجة بالمصالح السياسية لبلاده دفعته إلى الاتجاه نحو الشرق . فإذا أضفنا إلى تلك العوامل مجتمعة آثار الرحالة والمكتشفين الفرنسيين من كتب وتراجم شرقية خاصة كتب « فولني » التي أشرنا إليها آنفا لرأينا أنه تأثر بهذا السّفر إلى حدّ بعيد ، بحيث أصبحت مصر لديه قطعة شرقية تعرّف إليها من خلال كتابات المؤلفين المحدثين والقدماء . وهكذا فإن هذه الحملة منذ نشأتها كانت عبارة عن تسخير الاستشراق لتحقيق الأهداف السياسية والاستعمارية . واستفاد نابليون من كتابات المستشرقين عندما نفّذ مشروعه واصطحب معه المئات من العلماء والمؤرخين والجغرافيين والصنّاع والمفكرين وزودهم بمطبعة عربية وهيأ لهم الوسائل الكفيلة بإنجاز مهامهم على أفضل ما يرام . لعب القناصل كذلك دورا فعالا لتهيئة الحملة الفرنسية على مصر ، فقد أعد السياسي الفرنسي الشهير « تاليران » - وزير العلاقات الخارجية في حكومة الإدارة - تقريرا استخلص مادته من مذكرات ورسائل القنصل الفرنسي في الإسكندرية