السياسي انطباعاته ، وهذه الأمور بالإضافة إلى تزويده القيادة الفرنسية بالمعلومات العسكرية اليومية ، وهي التقارير التي لا يستطيع أن يقدم مثلها إلّا جاسوس على مستوى رفيع « 1 » ، تدل على أن من قام بتصفيته كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه ، وأن قوانين الحرب هي التي فرضت نفسها في هذا المجال ، ويبقى الأسى على موته ، وندب حظه العاثر ، ومعاملته نقيض ما قدمه للطوارق من خدمات ضربا من الدعاية والهراء لا يصمد أمام حقائق الموقف الحربي الذي يتلخص في مجمله بأنه عبارة عن صراع بين الاستعمار والشعوب المكافحة من أجل حريتها . ذلك أن كاتب سيرة هذا الراهب السيد « بوديما » - والذي استخلصنا من كتابه المعلومات التي أوردناها هنا يرى أن رسائله - أي الأب دي فوكو - كانت رسائل عسكرية تماما وهذا الاعتراف الصريح من مترجم حياته يجعلنا نعتقد جازمين أن هذا الراهب وأمثاله قد استخدموا كجواسيس وعملاء لبلدانهم لتنفيذ سياساتها الاستعمارية في شمال إفريقيا ووسطها ومنطقة الشرق بكاملها . وهذه القصة ترينا صحة ما افترضناه من استخدام الحركات التبشيرية للأغراض السياسية وهو نفس الدور الذي لعبه الاستشراق في هذه المرحلة التاريخية التي نستقصي أحداثها .
إن مرحلة الاستشراق السياسية لا تقتصر على نشاط المستشرقين والمبشرين ، ولكنها تمتد إلى آفاق أشمل وأرحب ، ونحن لا نستطيع الإلمام بتلك التفاصيل جميعها ، ولكننا أتينا بنماذج محددة للبرهنة على صدق افتراضاتنا . ولم يبق أمامنا في هذا المجال إلا التطرق لأثر الحملة الفرنسية على ظاهرة الاستشراق السياسية باعتبارها نتاجا مباشرا لتقارير الرحالة والقناصل ورجال الدين المسيحيين ، وهو ما سنراه في المطلب اللاحق .
المطلب الثالث آثار الحملة الفرنسية على الدراسات الاستشراقية
يرجع أصل الحملة الفرنسية على مصر إلى التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا . فحينما تغلبت الأولى على الثانية في أمريكا الشمالية وطردتها من مستعمراتها
هامش
( 1 ) جيمس ويلارد ، المرجع السابق ، ص 432 .