الدين ، وتبتعد كثيرا عن أهدافه الرئيسة . وتوغل « دي فوكو » في قلب الصحراء حتى وصل تامنراست معقل الطوارق وملاذهم عام 1905 م ، والتي وصفها بأنها عبارة عن قرية تتألف من عشرين منزلا ، تقع في الجبال في قلب الهوجار بعيدة عن كل المراكز الهامة ، ولا يظن أن من الممكن أن تأتي إلى هنا حامية من الحاميات أو تقام محطة للتلغراف أو يصل أحد من الأوروبيين « 1 » . وبقي في هذا المكان اثنتي عشرة سنة عاش فيها مع الطوارق واندمج في حياتهم ، وقدم لهم المساعدات التي يحصل عليها من بلاده وحاول قدر استطاعته تنصيرهم إلا أن جميع جهوده كالعادة باءت بالفشل الذريع .
يلاحظ على هذا الراهب في أثناء إقامته في قلب الصحراء أنه كان كثير التنقل بين قبائل الطوارق ، كما عاد ثلاث مرات إلى فرنسا ، وكان على اتصال دائم بالعسكريين الفرنسيين الذين يجوبون الصحراء الكبرى ، وأنه كان يزود أبناء جلدته بمعلومات عسكرية على صورة تقارير يومية « 2 » .
ونظرا للنشاط السياسي والعسكري الذي كان يزاوله هذا الراهب فإن الطوارق الذين نذر حياته لهم قرروا التخلص منه باعتباره عميلا للاستعمار الفرنسي خاصة بعد أن قام بتحصينات لجبال تامنراست ضد الغزو الليبي المحتمل لهذه المنطقة ، بل إن هذا الراهب أصبح يعيش في حصن فرنسي حربي مليء بالأسلحة والذخائر ، وتأكدت للطوارق خدماته العسكرية التي يؤديها لبلاده وهي الخدمات التي تخرج عن مهام رجال الدين الحقيقيين . وهكذا تسلل الطوارق إلى حصنه ليلا ، وطرقوا بابه وما إن فتحه لهم حتى أردوه قتيلا باعتباره جاسوسا يستحق المصير الذي آل إليه . وكانت تصرفاته الأخيرة تنبئ بجلاء عن هذه الصفة ، فما إن طرق بابه ليلة مصرعه حتى تساءل عمن يكون الطارق ، وعندما جاءه الجواب بأنه حامل بريد له ، فتح الباب قليلا ومدّ يده لتسلّم بريده المشبوه وفي أثناء ذلك مسكت به اليد التي كانت تطرق باب الحصن وجرته خارجه ثم أطلق عليه النار وقضي الأمر كله في ثوان « 3 » .
وعندما فتّش حصنه وجد به كميات هائلة من الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية ، والعديد من المراسلات والوثائق والمذكرات التي سجل فيها هذا الراهب
هامش
( 1 )Ibid , p . 185 .( 2 )Ibid , p . 223 .( 3 )Ibid , p . 223 .