اتصال له مع إفريقيا « 1 » . وشارك مع فرقته في احتلال تونس الذي انتهى بتوقيع معاهدة باردو في 12 من مايو سنة 1881 م ، عاد بعدها إلى الجزائر ، وأخذ اهتمامه يتزايد بالجنوب الجزائري ، وطلب الإذن مرات عديدة لزيارة تلك الأماكن القاصية ، لكن طلبه قوبل بالرفض الأمر الذي أدى به إلى تقديم استقالته من الجيش ، فقبلت بسرعة وانتهت بذلك حياته البسيطة ثم نذر العيش في أقسى الظروف وأكثرها شراسة وكان ذلك بداية حياته البطولية كما يقول عنه أبناء جلدته .
ثم توالت حياته من تنظيم رحلة استكشافية إلى المغرب قاسى فيها العديد من الشدائد والأهوال ، إلى عودته بعد سنة من رحلته الشاقة إلى الجزائر ، ومنها إلى فرنسا مرة أخرى ، إلى العودة ثانية إلى شمال إفريقيا حيث قام برحلة أخرى شملت جنوب كل من تونس والجزائر والمغرب ، وكانت نتيجة رحلاته هذه مؤلّفا ضخما بعنوان « معرفة المغرب » تناول فيه وصف الأقاليم التي زارها وصفا دقيقا من الناحية الجغرافية والفلكية ، مع ذكر عادات السكان وسلوكهم والقبائل التي ينتمون إليها ، والآفاق السياسية المستقبلية التي يمكن استخلاصها من تلك الرحلات .
ونحن لا يهمنا تفاصيل حياته الدقيقة ، ولكن مجالنا يتناول نشاطه التبشيري بعد أن أصبح من رجال الدين المرموقين . فقد عزم على التوغل جنوبا والعيش مع طوارق الهوجار ومقاسمة حياتهم القاسية . وبعد محاولات عديدة نجح في إقناع زميله السابق العقيد « لايرين » - الذي نظّم دوريات عسكرية تجوب الصحراء الكبرى لنشر الأمن والسلام في ربوعها ونجح هذا الضابط في مهمته حيث نشر السلام في هذه الربوع عندما استطاع استمالة الطوارق بالحسنى ، واستطاع في أقل من عشر سنوات أن يصل بين مستعمرات فرنسا الإفريقية والجزائر دونما خسارة تذكر في الأرواح أو الأموال - لمرافقته داخل الصحراء خاصة وقد رأى فيه عونا وسندا بما يقدمه من خدمات دينية تساعد على التغلغل العسكري والسياسي الفرنسي في الصحراء حسب تعبيره « 2 » .
هكذا قطع هذا الراهب 5000 كيلومتر مشيا على قدميه ، وترك لنا دليلا كاملا بيّن فيه المسالك التي اجتازها والأماكن التي مرّ عليها ، والسكان القاطنين بها ، والنباتات المزروعة فيها وغيرها من المعلومات التي تتعدى في حقيقة الأمر اهتمامات رجل
هامش
( 1 )Baudiment : AVec le pere de foucauld , Librairie saint joseph , Paris , 1938 , p . 20 .( 2 )Ibid , pp . 167 - 168 .