الطوارق الذين قاوموا بضراوة التغلغل الاستعماري الفرنسي في إفريقيا .
وخلاصة القول : إن الكتّاب الغربيين أنفسهم وصفوا هذه البعثات التبشيرية بشمال إفريقيا ودواخلها بأنها قد استخدمت كمطية لتحقيق الأهداف السياسية التي تسعى الدولة الغربية إلى تحقيقها في تلك الأصقاع . وزاد من تعقيد الوضع تلك المنافسة اللامبررة بين البعثات التبشيرية الكاثوليكية والبروتستانتية ، وزيادة الخلاف والتنافر وتباين المصالح بين الدولتين الأوروبيتين ألا وهما فرنسا وبريطانيا . فكان أن حكم على هذا المشروع من بدايته بالفشل الذريع .
وعندما تحرك الجيش الفرنسي واحتل وسط إفريقيا حتى مدينة « تمبكتو » التي ألهبت خيال الرحالة الأوروبيين لأحقاب طويلة ، والتي كانت آمال أي رائد في الوصول إليها ، والتي بسببها فقد الكثير منهم حياته فوق رمال الصحراء ، أصبح الميدان فسيحا أمام البعثات التبشيرية الفرنسية التي تنتقل متزامنة مع تحركات الجيوش النظامية .
وهكذا أصبح الآباء البيض ينتقلون بين ربوع الصحراء كما يحلو لهم ، وظهرت إرسالياتهم ومستوصفاتهم ومدارسهم وأديرتهم في أجزاء عديدة من الصحراء « 1 » .
ولعلّ من الفائدة التطرق بشيء من التفصيل إلى الحالة الخاصة للأب « فوكو » الذي عشق الصحراء ، وانعزل فيها بين الطوارق يبشرهم بمحاسن المسيحية إلى أن لاقى مصيره المحتوم على أيديهم ، بعد أن اكتشفوا أنه كان أحد عملاء الاستعمار الفرنسي ، إلّا أنه تستّر برداء الدين وعمل تحت لوائه ولكن إلى حين . وهذا المثال يبين لنا بكل وضوح وجلاء استخدام الحركات التبشيرية لتحقيق الأغراض السياسية والاستعمارية للدول الغربية .
ولد شارل فوكو عام 1858 في عائلة متدينة تقوده والدته كل يوم أحد برفقة أخته إلى كنيسة المدينة التي تعيش فيها تلك الأسرة ، وأصيب بكارثة مبكرة عندما فقد أبويه فتولى جده تربيته ، وأدخله في إحدى المدارس الدينية حيث تلقى تعليمه الأساسي .
وعندما حصل على شهادة البكالوريا دخل الكلية العسكرية الشهيرة « سان سير » التي يتخرج فيها إلى الآن أمهر الضباط الفرنسيين وأكثرهم قدرة وفعالية . ثم تخرج ضابطا فارسا في كلية « سامور » . وفي أعقاب عام 1880 غادر فرنسا إلى الجزائر وهو أول
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 421 .