دورا سياسيا هاما في هذه المنطقة العربية البالغة الحساسية ، وكان من نتائج ذلك النشاط ترسيخ النفوذ البريطاني في منطقة الخليج العربي إلى السبعينيات من هذا القرن .
ولو تركنا الساحة الشرقية وانتقلنا من جديد إلى المسرح الإفريقي لوجدنا النشاط السياسي التبشيري لعب أخطر أدواره في ترسيخ السياسة الفرنسية بشمال إفريقيا وإفريقيا الوسطى خاصة الدور الهام الذي قام به المطران الفرنسي « لافيجيري » مطران الجزائر وكبير أساقفة إفريقيا ومبعوث البابا إلى الصحراء الكبرى وبلاد السودان بقوته المتمثلة في « الآباء البيض » و « جمعية مبشري سيدة إفريقيا » « 1 » .
عندما تسلّم الكاردينال « لافيجيري » مهامه الدينية بالجزائر عام 1868 م ، أصاب البلاد وباء الكوليرا الذي حملته أرتال الجراد القادمة من الجنوب ، وتزامنت هذه الكارثة مع جدب وقحط شديدين رافقتهما مجاعة مميتة ، فقضت هذه العوامل على نحو 60 ألفا من سكان البلاد الأصليين ، ورافق بعد ذلك هذه الكوارث سيول عارمة جرفت التربة الصالحة للزراعة وأتت على الأخضر واليابس ، ونتج عن ذلك كله موت وهلاك الآلاف من البشر والماشية ، فأصبحت التربة مهيّأة من جديد أمام المطران « لافيجيري » لنشر تعاليم الديانة المسيحية بين أبناء البلاد الأصليين ، فكان يؤتى بالأيتام واللقطاء ويوضعون في الملاجئ ودور الرعاية التي يشرف على إدارتها القساوسة والرّهبان ، وحاولت الإرساليات التبشيرية تنصير هؤلاء البؤساء إلّا أن النتيجة كانت ضئيلة جدّا نظرا لتمسك أهل البلاد بدينهم ، ومقاومتهم الطبيعية لجميع الإغراءات المقدمة لهم . وتدل الإحصائيات المقدمة في هذا الخصوص أنه بعد خمسين سنة من العمل التبشيري المتواصل في الجزائر لم يعتنق من أهل البلاد الأصليين الديانة المسيحية إلّا ألف منهم فقط « 2 » .
قرر المطران « لافيجيري » التوغل في دواخل إفريقيا للتبشير بمعتقداته بعد أن فشلت جهوده في تنصير سكان شمال إفريقيا ، فأسس « جمعية الآباء البيض » للاضطلاع بهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر . ودلّت الحوادث التاريخية اللاحقة أن هذه الجهود قد ضاعت سدى ، وكان مصير أولئك المبعوثين القتل على أيدي السكان الأصليين خاصة
هامش
( 1 ) جيمس ويلارد ، الصحراء الكبرى ، المرجع السابق ، ص 405 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 409 .