وتجلّت تلك الأفعال في تأسيس « جمعية لندن التبشيرية » عام 1795 بزعامة السيد « كاري » الذي سافر إلى الهند لأجل التبشير فصارت التبرعات والمساعدات ترد إليه من أوروبا قاطبة « 1 » ، ولا يخفى علينا أهمية الهند الاقتصادية في ذلك الزمان ، وذلك التطاحن الذي دار بين بريطانيا وفرنسا عليها ، والنتيجة النهائية لذلك الصراع . ولكن الذي يهمنا تسجيله أن تأسيس هذه الجمعية وفي الهند بالذات كان لأغراض استعمارية اقتصادية أكثر منها دينية .
يلي تأسيس الجمعية السابقة جمعية أخرى أطلقت عليها اسم « جمعية التبشير في أرض التوراة العثمانية » ، ويقصد بها البلاد العربية التي كانت تحت حكم السلطنة العثمانية . وكان الغرض من هذه الجمعية دينيّا وذلك لإخراج المسلمين من دينهم وربط مسيحيي الشرق بالكنيسة الكاثوليكية إلّا أن الأهداف السياسية لم تكن بمنجاة منها .
وهكذا توالت جمعيات التبشير المختلفة ، خاصة وأن بعضا منها تخصص في استمالة النساء والبنات والشبان والطلبة . وعندما دخلت الجمعيات البروتستانتية حلبة التبشير فقد اتسعت حلقات هذه الظاهرة وتنوعت مؤسساتها ، وزادت من أنشطتها خاصة في مصر ، وإفريقيا الوسطى وبلاد المغرب العربي ، ومدغشقر ، وآسيا الغربية ، وعلى إثر تأسيس المركز البروتستانتي في الأستانة عام 1846 صارت هذه المدينة مركزا رئيسا لأعمال المبشرين .
لعبت هذه المؤسسات التبشيرية أدوارا سياسية في غاية الأهمية والخطورة ، فما أن انبثّ المبشرون في هذه الأصقاع بما لديهم من وسائل طبيّة ، وتعليمية ، ومؤسسات جامعية ، وأموال طائلة حصلوا عليها من الدول الأوروبية ، حتى قامت بزرع بذور الفتنة والشقاق بين العرب المسلمين والمسيحيين ، وبين الدولة العثمانية والأقاليم العربية التابعة لها . وما المثال الذي أشرنا إليه حول الدور الخطير الذي لعبه لورنس في الحروب العربية العثمانية ببعيد ، الأمر الذي أدّى في النهاية إلى هزيمة الإمبراطورية العثمانية من جهة ، وسقوط العرب تحت وطأة الاستعمار الغربي من جهة أخرى .
وفي عام 1920 م أصدرت لجنة التبشير الأمريكي منشورا ذكرت في مطلع مقدمته
هامش
( 1 ) عبد الرحمن الميداني ، أجنحة المكر الثلاثة ، المرجع السابق ، ص 29 .