ولعلنا نسجل هنا ظاهرة أخرى جديرة بالتنويه لم تكن تخطر على بال الكنيسة ، وهي أن انهزام أوروبا في تلك الحروب الدينية وما رافقها من اختلاط مع المسلمين كان وراء تفشي المبادئ الإسلامية بين العديد من رعاياها الذين اعتنقوا الدين الإسلامي بعد اطلاعهم على سماحة ونبل مبادئه ، فاستشاطت هذه المؤسسة الدينية غضبا ، وأسست محاكم ليمثل أمامها من أطلقت عليهم المرتدين وتوجيه تهمة الهرطقة لهم والتي كانت عقوبتها الموت الزؤام .
كان ارتداد المسيحيين عن دينهم واعتناقهم الدين الإسلامي يعتبر في نظر الكنيسة جناية أشد وأنكى من السرقة والزنا ، فكانت تعامل بغاية الشدة والقسوة من وهنت عقيدتهم ، متغاضية في نفس الوقت عن الجناة والمجرمين ، ناهيك بأنها أكرهت الناس على الإقرار بالإيمان الصحيح ، واتخذت من الوشايات وتقارير الشرطة الكنيسة سلاحا لبلوغ غايتها ، وهو مكافحة الارتداد ، وتكبيل الفكر البشري ، وسنّت قانونا على المرتاب يقضي عليه بأشد العقوبات وأفظعها « 1 » .
وأنا أرى أن السبب الأخير الذي حاولنا استخلاصه من مصادر عديدة هو السبب الحقيقي الذي أدى بالكنيسة إلى تنظيم الحملات التبشيرية ، خاصة قول بطرس المبجل الذي أشرنا إلى مقولته آنفا ( حتى لا تضر هذه الصغائر - ويقصد بها التعاليم الإسلامية - نفوسهم ) « 2 » ، أي مقاومة ارتداد المسيحيين إلى الدين الإسلامي ، وذلك بالانطلاق من الدفاع إلى الهجوم ، وهو محاولة تبشير المسلمين بالمسيحية والعمل على اعتناقها باتباع جميع الوسائل التي أشرنا إليها سابقا .
إن تطور الحملات التبشيرية من ريمون ليل إلى القديس فرنسيس إلى بطرس المبجل إلى روجر بيكون ، لم تخمد أوارها وإن اتخذت الأهداف الدينية باعثا لها . إلّا أنه بداية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وبعد الاكتشافات الجغرافية الأوروبية ، وبغية السيطرة على الشرق ومقدراته التجارية والاقتصادية والاستراتيجية ، استخدمت الحكومات الأوروبية المبشرين كأدوات طيّعة في أيديها بغية تحقيق أهدافها السياسية .
هامش
( 1 )Rida Bay , La faillite morale de la politique occidentale en orient , 11 eme edition , Bouslama , Tunis , p . 67 , S . D .( 2 )Ibid , p . 76 .