المطلب الثاني آثار الحركة التبشيرية واستخدامها في الأغراض السياسية
رأينا في فصل سابق مرحلة الاستشراق الدينية ، واستطعنا أن نبرهن أن الدراسات الاستشراقية في بدايتها قد استخدمت لخدمة التبشير الذي نادى به القساوسة والرهبان ، خاصة عندما فشلت الحروب الصليبية في تحقيق أهدافها . وتتبعنا مسار الحركة التبشيرية والأهداف التي سعت إلى تحقيقها ، والنتائج التي توصلت إليها وأهمها كما أسلفنا نشوء الظاهرة الاستشراقية بما لها من الجوانب المضيئة والمظلمة ، السلبية منها والإيجابية .
إن الذي نود تدبيجه في هذا المطلب ، ونحن نعالج مرحلة الاستشراق السياسية أن الدول الأوروبية لم تستخدم المستشرقين من رحالة وقناصل ورجال استخبارات من أجل السيطرة على الشرق والهيمنة عليه فقط ، ولكنها استعانت بالإضافة إلى أولئك برجال الدين الذين اتخذوا التبشير وسيلة ظاهرية لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية بعيدة عن الأغراض الدينية .
برزت هذه الأسباب واضحة جلية إذا اقتبسنا العديد من المقولات التي تفوه بها أولئك المبشرون ، فالسيد « لورانس براون » قال : « إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا ، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير » « 1 » .
إن هذه المقولات وغيرها تبرز للعيان أن التبشير قد استخدم لأهداف سياسية أهمها إبقاء العرب على حالة الفرقة والتمزق ، ومنعهم من الاتحاد لأن ذلك سيؤدي إلى سيطرتهم من جديد وإعادة حضارتهم ، كما أن هؤلاء المبشرين يعتقدون أن التبشير هو وحده الكفيل بكسر شوكة الوحدة الإسلامية باعتبارها تكتلا ضد الاستعمار الأوروبي .
أشرنا آنفا إلى فشل الحملات التبشيرية في ردّ المسلمين عن دينهم ، وخابت
هامش
( 1 ) د . مصطفى الخالدي ، وعمر فرّوخ ، التبشير والاستعمار ، المكتبة العصرية ، بيروت ط 2 ، 1957 م ، ص 37 .