الجمعيات التبشيرية في جهودها الفردية لإقناع المسلمين بمحاسن الديانة المسيحية ! ! ومن هنا اتجهت هذه الإرساليات المنبثّة في الشرق خاصة إبان الحروب الصليبية وبعدها إلى الالتجاء إلى حكوماتها لمساعدتها ، فانتهزت تلك الحكومات هذه الفرصة السانحة ، وهذا الحماس الذي أظهره القساوسة والرهبان ، وجعلت تقدم لهم العون والمساعدة سعيا إلى تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاستعمارية . ونحن قد نوّهنا آنفا بأن الحروب الصليبية برمتها كانت في ظاهرها تتسم بالطابع الديني وهو تخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين ولكن الأسباب الباطنية تكمن في تعاون السلطات الزمنية مع السلطة الدينية لتحقيق السيطرة على الشرق الإسلامي بما فيه من خيرات اقتصادية ومراكز حربية . وعندما فشلت الحروب الصليبية في تحقيق أهدافها كما أسلفنا اتجه الأوروبيون إلى السيطرة على العالم الإسلامي عن طريق استخدام الحروب الفكرية وعلى رأسها الاستشراق والتبشير .
ونحن لا نؤرخ الآن للحركة التبشيرية منذ بدايتها ، فقد فعلنا ذلك بشيء من الإيجاز المركز في الفصل السابق ، ولكننا سنحاول في هذا المطلب بيان آثار الحركة التبشيرية واستخدامها للأغراض السياسية بعد فشل الحروب الصليبية . وحينما نقول « للأغراض السياسية » فإنما نقصد بهذا المدلول تحقيق الأغراض الاقتصادية والاستعمارية أيضا . بل إننا نستطيع تأكيد أن الحروب الصليبية ، وهي في أصلها حروب تبشيرية دينية ، كان الوازع المادي لها والمصالح الاقتصادية أهم الأسباب التي أدت إلى اندلاعها ومنها السيطرة على خيرات الشرق ، والتحكم في طرق التجارة العالمية البرية منها والبحرية ، ومحاولة الحصول على ثروات فردية ، ومن هنا نرى اكتظاظ تلك الحملات بالقتلة ، والفجار ، واللصوص والقراصنة ، والنساء التائهات ، والأطفال المشردين ، وكل يبتغي تحقيق مصلحة آنية بعيدة تماما عن الأهداف الدينية . بل إن الكنيسة وهي المروّجة الأولى والداعية الملحاح للحروب الصليبية اتخذت الربح المادي مطمحا لها ، بل إنها قد استفادت من جهتين ؛ الأولى عند استيلائها على أموال الإقطاعيين والأغنياء الذين كانوا عند سفرهم إلى الشرق باعوا أراضيهم لها ، ورهنوا الكثير من أملاكهم لديها ، فتكدست لديها ثروات طائلة من هذا المصدر الداخلي ، والثانية عندما عاد إليها الكثير من تلك الثروات التي حصل عليها المحاربون باسم التبرع والإحسان ، وهكذا تطاولت همتها ، ونافست السلطة الزمنية للاستيلاء على السلطة الدينية والدنيوية ، وكان ذلك صراعا طال أمده ، وأتت نتائجه النهائية مخيبة لآمالها .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 78
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٧٨