تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الرأي الراجح الذي نؤيده بعد اطلاعنا على العديد من المصادر والمراجع حول دور هذا المستشرق في اندلاع الثورة العربية ، أن الإنجليز خدعوا العرب عندما وعدوهم باستقلال بلادهم واتحادها تحت رئاسة الشريف حسين . وقد ظهر ذلك جليا إبان مؤتمر الصلح الذي عقد بباريس بعد الحرب وانضمام لورنس إلى الوفد العربي الذي كان يرأسه الأمير فيصل ودفاعه بحرارة عن القضية العربية ، ومحاولته إبعاد فرنسا عن فرض هيمنتها على سوريا ولبنان ، خاصة بعد أن علم بالشروط الواردة في اتفاقية سايكس - بيكو التي تقضي بتقسيم بلاد العرب بين بريطانيا وفرنسا . ذلك أن هذا المستشرق الذي وضع خبراته تحت تصرف بلاده كأحد المنفذين لسياستها في الشرق الأوسط قد فتن بسحر الشرق ونبل العرب ، وتضحياتهم التي كان شاهدا عليها من أجل استقلال بلادهم فجعلته ينضم إلى قضيتهم ، ويدافع عنها بكل إخلاص ، ونراه حال وصوله إلى لندن بعد انتهاء الحرب ومثوله أمام اللجنة الشرقية في الوزارة البريطانية أن قدّم مذكرة مكتوبة بعبارات بليغة ، تذكر أصل وأهداف ثورة العرب ، واقترح وضع خطة لترتيبات ما بعد الحرب بالنسبة لشبه الجزيرة العربية . فالحجاز يجب أن تنال استقلالا كاملا ، أما بلاد الرافدين فيجب أن توضع تحت الانتداب البريطاني كما يجب إعطاء فيصل سوريا بأكملها ، وبالنسبة إلى وعد بلفور الصادر في سنة 1917 م والذي يدعو إلى إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين ، فقد أكّد أن العرب جميعا متفقون على أنهم يفضلون أن تكون تحت إشراف بريطانيا ، وألّا ينشأ فيها وطن لليهود « 1 » . إن شعور لورنس بالفشل في دمشق ، واستياءه مما حصل من غدر بريطانيا بالعرب ، واستياءه من إلحاح فرنسا في فرض هيمنتها على سوريا ولبنان ، وصل إلى حدّ أن بلغت به مأساته الشخصية إلى حد الانهيار العقلي التام . فأخذ يجلد نفسه كل صباح عله يكفّر عن الذنوب التي ارتكبها تجاه العرب الذين أحبهم بإخلاص بعد ما قلبت لهم بلاده ظهر المجن ، وهكذا فإن لعنة الشرق أصبحت تلاحقه حتى توفي شبه منتحر حينما كان يقود دراجته النارية بسرعة خارقة ، فحاول أن يتجنب صبيين كانا يمتطيان دراجتين فانقلبت دراجته على الطريق ، ثم مات متأثرا بجراحة . هذه نماذج من استغلال الاستشراق للأغراض السياسية ، فما دور المؤسسات التبشيرية في هذا الصدد يا ترى ؟ هذا ما سنراه في المطلب الثاني من مبحثنا هذا .
هامش
( 1 ) أنتوني ناتنج ، المرجع السابق ، ص 226 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 76 | ساسي سالم الحاج