خلال إقامته به ، وهكذا نراه شخصيا يقول في هذا الصدد : « أمضيت سنوات طويلة قبل الحرب وأنا أذرع بلاد الساميين شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا ، لأتعلم عادات القرويين وتقاليد العشائر والحضريين في كل من سوريا والعراق . وقد أرغمني فقري على معايشة الطبقات الدنيا التي نادرا ما التقى أبناؤها بالأوروبيين من مسافرين وسياح . . .
أضف إلى ذلك أن سفراتي تلك زوّدتني بمعرفة واسعة بالقوى السياسية التي كانت حبيسة في الشرق الأوسط والتي كانت تشير جميعها إلى انحلال تركيا الإمبراطورية » « 1 » .
وهكذا وجد لورنس فرصته عندما تناهت الأنباء إلى بريطانيا عن عزم الشريف حسين القيام بثورة ضد الأتراك . فسافر ضمن بعثة بريطانية إلى « جدّة » التي اتصلت فورا ب « عبد اللّه » أحد أبناء الشريف حسين الذي قال عنه لورنس : « كنت منذ محادثتي في اليوم الأول لوصولنا ، قد وصلت إلى قرار نهائي بيني وبين نفسي بأن عبد اللّه لا يصلح أن يكون قائدا للثورة » « 2 » .
استمر لورنس يسرد علينا بأسلوبه الرشيق في كتابه عن الثورة العربية المرسوم « بأعمدة الحكمة السبعة » التحالف المعقود بين بريطانيا والعرب لتأسيس مملكة عربية تضم الجزيرة العربية والشام والعراق ، وعن ظروف الحرب الميدانية التي شارك فيها بفعالية حتى وصول القوات البريطانية إلى مدينة دمشق ، وعن اندحار القوات التركية أمام الجيوش العربية ، وأخيرا وبعد وصول « أللنبي » قائد القوات البريطانية إلى دمشق طلب منه لورنس تسريحه من الخدمة بعد أن أصبح في حالة نفسية وجسدية في غاية الضعف والوهن والخور . ولم يسجل لورنس أسباب طلب تسريحه من الخدمة إلّا قوله « بعد ذهاب فيصل التمست من أللنبي السماح لي بالعودة إلى بلادي . فأجابني مصرا بالرفض ، ولكنني نجحت في إقناعه بأن الأمور تسير أحسن بدوني ، وسيشعر العرب حقيقة أنهم أصبحوا أحرارا مستقلين ، فوافق على ذهابي . وعندئذ شعرت بالحزن يتملكني » « 3 » .
اختلف المؤرخون حول الأسباب التي أدت بلورنس إلى ترك دمشق ، ولكن
هامش
( 1 ) ت . أ ، لورنس ، أعمدة الحكمة السبعة ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت . الطبعة الرابعة ، 1980 م ، ص 23 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 34 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 401 .