تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
القلاع الصليبية والاطلاع عليها عن كثب . ووصل إلى الشرق الأوسط عام 1909 م وسط أحوال جوية وسياسية قاسية كانت تسود المنطقة آنذاك . وبالرغم من إلمامه باللغة العربية قبل سفره ، إلّا أنه ما إن وطئت أقدامه أرض الشرق حتى التحق بمدرسة تابعة للإرسالية الأمريكية ، وبعدئذ انطلق إلى دواخل سوريا ، وعاش هناك ثلاث سنوات بين العمال العرب والأكراد ، فتعلم منهم لغاتهم ولهجاتهم المختلفة إلى حدّ الإتقان « 1 » . ثم عاد إلى بريطانيا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بقليل والتي كانت طرفا فيها ، وكان اهتمامها منصبّا حول حماية قناة السويس من غزو الأتراك ، وتأجيج نار الثورة العربية ضد الأتراك في الجزيرة العربية . كانت بريطانيا تنظر إلى شبه جزيرة سينا كحصن طبيعي يحمي مصر من الخلف ، وليس لديها خرائط دقيقة تدلها على مسالكها ووهادها وتضاريسها . فألّفت بعثة استكشافية كان من ضمن أعضائها صاحبنا « لورنس » ، عهدت إليها مهمة القيام بوضع خرائط عن شبه الجزيرة المجهولة ، فقامت بمهمتها على خير ما يرام ، وكان نتيجة عملها كتاب يحمل عنوان « صحارى زن » وفي أثناء ذلك الوقت اندلعت الحرب الكونية الأولى . بعدئذ انهمك « لورنس » في كتابة دليل عن منطقة سينا كي تستعمله الجيوش في أثناء تنقلاتها ، ثم دعي إلى مكتب الاستعلامات البريطاني بالقاهرة ، وهناك انهمك في السياسة ، وسخر معارفه الاستشراقية في خدمة الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط . كان لورنس يعمل في قلم الاستخبارات البريطانية ، إلّا أن خبرته بمنطقة الشرق الأوسط كانت واسعة جدا ، بفضل إقامته الطويلة هناك ودراساته العميقة عنها من جميع النواحي ، كما كان يتمتع بخبرة واسعة في رسم الخرائط وتفسير رموزها ويعرف الكثير عن أوضاع الجيش التركي ، وهكذا ما إن وصل القاهرة حتى وضع خطة لاحتلال سوريا بمساعدة الشريف حسين كانت كفيلة بأن تضمن للقوات البريطانية سلامة الزحف على دمشق بسرعة خاطفة قبل أن يسبقهم الفرنسيون إلى احتلالها « 2 » . استغلت المخابرات البريطانية معرفة لورنس الواسعة التي اكتسبها عن الشرق
هامش
( 1 ) أنتوني ناتنج ، لورنس لغز الجزيرة العربية ، لويل توماس ، مؤسسة المعارف ، بيروت ، 1982 م ، ص 9 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 35 .