لم تقتصر على الاستفادة بالمعلومات الطبوغرافية ، والتاريخية التي دبّجها في كتبه وتقاريره ، ولكن الدوائر الاستعمارية البريطانية سخرته شخصيا للاستفادة به في سينا ، والاتصال بأهلها واستخدام الجانب الشرقي لقناة السويس لصالح بريطانيا عندما عقدت العزم على احتلال مصر عام 1882 م .
كانت المهمة المنوطة به هي الانتقال إلى سينا ، والاتصال بالقبائل الموجودة بها ، ومعرفة إلى أي مدى كانوا يميلون للانضمام إلى عرابي باشا ، وعليه أن يحاول التأثير على تلك القبائل حتى لا تندلع ثورتها أو تنضم إلى القضية المصرية ، بل وعليه محاولة إقناع بدو سينا بالانضمام إلى القوات البريطانية وليس مجرد تحييدها من النزاع الدائر فقط . وعليه أخيرا أن يتخذ الخطوات اللازمة لحماية قناة السويس إذا حاول عرابي باشا تدميرها « 1 » .
هكذا باشر بالمر مهمته السياسية كعميل للاستعمار البريطاني في الشرق ، ووظف إمكاناته الثقافية لخدمة هذا الغرض الذي يتنافى والبواعث العلمية ، وحاول بكل جد ونشاط تنفيذ المهام التي أوكلت إليه ، إلّا أن نهايته المحتومة وضعت حدا لحياة كان الأجدر به أن يستغلها في العلم والمعرفة ، فقد نصب له البدو كمينا محكما واقتادوه مع زملائه الأربعة الآخرين إلى قمة جبل بسينا ، وقتلوهم بأن ألقوا بهم من أعلى الجبل إلى واد سحيق .
إن النهاية التي استحقها بالمر عن مهمته ، وفشله في تنفيذ مآرب أسياده ، لم يكن في الحقيقة إلّا أقل نجاحا بين الذين قدموا خدمات مماثلة للاستعمار الغربي ، هذه الخدمات التي أصبحت الآن يعهد بها إلى مستشرقين أكثر تخصصا منه مثل :
هوجارت ، وجرترودبل ، ورونالد ستورز ، وسان جون فلبي ، ووليام بالغريف ، ولورنس العرب الذي نتخذ منه مثلا ثانيا على تسخير الاستشراق للأهداف السياسية الاستعمارية .
ولد توماس إدوارد لورنس عام 1888 م ، ثم التحق في صباه بكلية يسوع في أكسفورد ، وهناك أبدى رغبة عارمة في الاطلاع خاصة فيما يتعلق بالآثار والاستراتيجية الحربية ، ولإشباع هذه الرغبة المتأصلة فيه ، غادر بريطانيا إلى سوريا وفلسطين لدراسة
هامش
( 1 )Arberry , Oriental Essays , Portrait of seven scholares pp : 150 - 151 .