لننتقل الآن من المسرح الإفريقي الذي لعب فيه المستشرقون - وهم على هيئة قناصل ورحالة - إلى مسرح الشرق الأدنى والأقصى ، لنستقصي نفس الدور الذي أدى في النهاية إلى غايته وهو استعماره من قبل الدول الأوروبية بعد أن مهد له المستشرقون الأرضية الملائمة لذلك ، ونأخذ مثالين نستقيهما هذه المرة من بريطانيا بعد أن أشرنا إلى ما لعبه المستشرقون الفرنسيون بالخصوص ، ونخص بالذكر كلّا من « إدوارد هنري بالمر » و « لورانس » الملقّب بالعرب .
فالأول كان مستشرقا بريطانيا ، ولد عام 1840 م بإنجلترا وتعلم اللغات اليونانية ، واللاتينية والإيطالية ، ثم تلقى دروسا في الفارسية ، والأوردية والعربية ، وهكذا تضلع في اللغات والدراسات الشرقية ، وأصبح نموذجا لمستشرقي القرن التاسع عشر ، وكان نشاطه العلمي بالغ الغزارة والتنوع ، وارتحل كبقية زملائه إلى الشرق ، وزار شبه صحراء سيناء تحقيقا لمشروع تبنته « هيئة استكشاف فلسطين » التي كان من ضمن برامجها تتبع مسيرة بني إسرائيل في سينا بعد خروجهم من مصر ، لاكتشاف الارتباط بين « التاريخ المقدس والجغرافيا المقدسة » . ورافق البعثة المؤلفة من قبله كل من « سير هنري جمس » والكابتن « تشالرز ولسون » . وقد اهتم بترسم طرق سينا ، وتسجيل أسماء الأماكن التي زارها ، ووصف عادات البدو القاطنين بها . ثم عاد مرة أخرى إلى ذات المكان عام 1870 م ، وواصل نفس مهمته السابقة ، ثم رحل إلى القدس ومنها إلى سوريا فاستمبول . وهكذا تنوعت أنشطة هذا المستشرق من اكتشاف طرق سينا إلى وصف الحالة العامة في كل من سوريا وتركيا ، إلى إصدار عدة كتب تهتم بالمخطوطات العربية والفارسية والتركية ، إلى إصداره قاموسا موجزا للغة الفارسية ، إلى إصدار وتحقيق الجزء الأول من ديوان « البهاء زهير » ، وكانت ترجمته كما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي لديوان هذا الشاعر فيها من الرشاقة والجمال مثل ما في الأصل من الديوان « 1 » .
لكن الذي يهمنا من سيرة هذا المستشرق أن استغلّت الحكومة البريطانية معلوماته ووظفتها لاحتلال مصر ، ومن بعد استعان بالمسالك والطرق الصحراوية التي أثبتها هذا المستشرق بسينا اللورد أللنبي الذي ترسمها وسلكها إبان حملته الشهيرة من مصر إلى دمشق خلال الحرب العالمية الأولى . بل إن الاستعانة بمعرفة هذا المستشرق
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 43 .