تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
الكاملة لرحلة ابن بطوطة ، وقعت في يد السيد روسو وقد احتفظ بها لمدة سنتين لاستنساخ صورة منها » « 1 » . ويستطرد هذا القنصل المستشرق في رسالة أخرى إلى دي ساسي مؤرخة في طرابلس في 9 من يونيه 1829 م يقول فيها : « إن الفارس روسو نقل إلى فرنسا كتابي ابن خلدون وابن بطوطة الأصليين وقد استولى عليهما بطريق الحيلة ومن مالكهما بطرابلس . وهو بذلك قد منع بقية المستشرقين من الاطلاع عليهما ، وأدعو اللّه ألّا يكون الجزء الثالث من تاريخ ابن خلدون قد أصابه العطب لأهميته البالغة » « 2 » . ومما يعزز أقوال المستشرق السويدي أن السيد روسو عندما غادر طرابلس محتجا على اتهامه بقتل الميجر لينج والاستيلاء على أوراقه ، فقد بعث برسالة إلى وزير خارجيته مؤرخة في 14 من نوفمبر 1830 م يذكر فيها الخسائر التي أصابته من جراء مغادرته طرابلس طالبا التعويض عنها ، وبلغت القيمة المطالب بها 131543 فرنكا فرنسيا . ولكن الذي يثير الانتباه بعد الاطلاع على تلك القائمة أن خمسين ألف فرنك فرنسي هي عبارة عن تعويض لأكثر من 460 مخطوطة أصابها العطب من جراء الرطوبة وقد حصل عليها جميعا من طرابلس . والذي يهمنا من السياق الآنف بيانه أن المستشرقين وهم على هيئة قناصل ورحالة ، كانوا يهتمون بالنواحي السياسية والثقافية للقارة الإفريقية والشرق عموما ، وأن أحدهم وهو روسو حصل على هذه الكمية الكبيرة من المخطوطات من مدينة طرابلس ، واستولى عليها بطريقة غير شرعية وهرّبها إلى بلده ، وبعض هذه المخطوطات من نوادر الكتب التي لا يعادلها ثمن . فإذا ما قارنّا بقية القناصل والسفراء والرحالة الآخرين ، وما استنزفوا من تلك الثروات الثقافية لشعوب الشرق لانجلى لدينا ذلك اللغز المحيّر وهو وجود الآلاف من هذه المخطوطات تحت حوزة الدول الأوروبية حتى يومنا هذا . وهو أمر له بالغ الدلالة والأهمية يشرح لنا الأعمدة الأساسية التي قامت عليها الدراسات الاستشراقية ، بجانب الأهداف السياسية التي سعت هذه الدول إلى تحقيقها عن طريق رحّالتها وقناصلتها وجلهم من المستشرقين الذين مهدوا الأرضية الصالحة للتغلغل الأوروبي المباشر .
هامش
( 1 ) انظر رسالة قنصل السويد إلى المستشرق « ساسي » بالفرنسية ، المرجع السابق . ( 2 ) انظر رسالة قنصل السويد إلى « ساسي » ، المرجع السابق .