إن الرحلة الهامة التي تخص موضوعنا بصورة مباشرة لما لها من أغراض سياسية استخدم فيها المستشرقون لغير الأهداف العلمية هي رحلة الرائد البريطاني « لينج » الذي بذل مساعيه لدى وزير المستعمرات البريطاني اللورد « باتورست » لتنظيم بعثته انطلاقا من طرابلس باتجاه تمبكتو وهو الحلم الذي راود الرّحالة الأوائل ، وبعد مراسلات عديدة ، واتصالات مع القنصل البريطاني بطرابلس « وارنجتون » الذي لعب دورا هاما في التأثير على يوسف القرمانلي للسماح للبعثات البريطانية بالانطلاق من طرابلس .
وكان هذا القنصل السيئ السمعة ، الغليظ الطباع ملاذ الرّحالة ومشجعهم ، ووضع كلّ إمكاناته ونفوذه تحت تصرفهم .
وكان اللورد باتورست منذ تعيينه وزيرا للمستعمرات عام 1812 يبدي اهتماما عميقا بالاكتشاف ، وهو الذي شجع الرحلات البريطانية السابقة . وقد اقتنع بمشروع الرائد « لينج » . وهكذا وصل هذا الأخير إلى طرابلس عام 1825 م ، واستقبله وارنجتون باهتمام بالغ ، وبادر الأخير بمخاطبة السيد . . ( هورتون ) . . . وكيل وزارة المستعمرات بوصول الرّحالة إلى طرابلس سالما .
ونستنتج من الرسائل المتبادلة بين وارنجتون ووزير المستعمرات البريطاني ووكيل وزارته ضلوع الحكومة البريطانية في اكتشاف دواخل إفريقيا لأغراض سياسية ، كما نلاحظ أن العديد من الرسائل المتبادلة بين الرائد لينج والقنصل البريطاني بطرابلس وكذلك تلك التي يرسلها إلى وزارة المستعمرات أنّ الغرض الدافع لهذه الرحلة هو تحقيق أهداف سياسية استعمارية ، الأمر الذي طبع هذه الرحلة بطابع سياسي بعيدا عن الأهداف العلمية « 1 » .
ونحن لا نود الخوض في تفاصيل هذه الرحلة التي بلغ فيها لينج تمبكتو ثم غادرها حيث لقي مصرعه بالقرب من مدينة « آراوان » على يد الشيخ . . « لبيده » . بناء على أوامر أعطيت في تمبكتو لقتل الكافر وإحراق أوراقه . وهو عمل وإن استهجنته الدوائر الغربية ، إلّا أن لقاتليه من الأعذار ما يبرر فعلتهم ، فهم قد فهموا جيدا مهام الرحالة الأوروبيين ، وتوغلهم في إفريقيا . وهم عندما تصرفوا على هذا الأساس معه ومع بقية الرّحالة الآخرين فإنهم في حقيقة الحال كانوا في حالة دفاع عن النفس .
هامش
( 1 ) انظر الرسائل المتبادلة بالخصوص كما وردت في كتاب « رحلتان عبر ليبيا » . المرجع السابق من ص 184 إلى ص 376 .