اختلف اللفظ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ . وكم من أحاديث متماثلة تؤدي إلى معنى واحد رويت بألفاظ مختلفة ، ومع ذلك لم تكن هذه الأحاديث ممن وصفت بالوضع أو التزوير أو التدليس . والاختلاف لا يصدر عن رسول اللّه ولكنه يأتي من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط ، فمنهم من فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاد غيره بنفي ولا إثبات . ومنهم من زاد فيه أو أنقص منه لخلل في الحفظ والذاكرة ولكن المعنى واحد .
وأخيرا نود الإشارة إلى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز هو الذي أمر بتدوين الحديث رسميا ، وذلك عندما خاف من دروس العلم وذهاب أهله . فقد كتب إلى عامله أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره : « انظر ما كان من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة ، فاكتبه ، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله » « 1 » .
وتتالى تدوين السنة منذ هذا العصر ، واشتهر بذلك الإمام محمد بن شهاب الزهري - الذي طالما وجه له « جولد زيهر » سهامه - وكان يفتخر بعمله عندما يقول :
« لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني » « 2 » . وقد اشتهر عنه أنه لم يدون الحديث فحسب ولكنه دوّن في كل العلوم الموجودة في عصره حتى قال عنه ابن أبي الزناد : « نحن لا نكتب إلا السنة . أما الزهري فقد كتب كل شيء . وكان أعلم أهل عصره » « 3 » . هذا العالم الذي قال عنه « جولد زيهر » : إنه يسير في ركاب الحكام الأمويين ، ويضع أحاديث لعبد الملك للحج « إلى المسجد الأقصى ، نراه يصفه في دراسته هذه بأنه عالم بجميع فروع علم زمانه . وكان يحيط نفسه بأكداس الكتب التي أنسته أصدقاءه وعائلته حتى قيل على لسان زوجته « لفأر المكتبة هذا » : « يا زوجي العزيز إن هذه الكتب أثقل على نفسي من ثلاث ضرائر » « 4 » .
هامش
( 1 ) ابن سعد ، الطبقات ، قسم 2 ، ج 2 ، ص 134 . والمراد في الاقتباس « حديث عمرة » هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية ، وكانت من تلاميذ عائشة ومن أعلم الناس بأحاديثها عن الرسول .
( 2 ) الأبشيهي ، الرسالة المستظرفة ، ص 4 .
( 3 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، ص 132 .
( 4 ) أبو الفداء ، المختصر في أخبار البشر ، ج 1 ، ص 356 وأشار إليه جولد زيهر في كتابه الآنف بيانه ، ص 243 ، هامش رقم ( 1 ) .