في الدفاع عن هذا الرأي وبالغ أصحاب الحديث في تقدير الكتابة وأثرها في حفظ النصوص ، وينسبون إلى المحدث الشعبي قوله : « نعم المحدث الدفتر » . وهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول : « لا تذاع الأحاديث إلا بنص كتابي ، فالكتاب أحفظ شيء » « 1 » .
وفي مواجهة رأي أصحاب الحديث ينبري أهل الرأي إلى تقديم الأدلة والبراهين التي تحث على نقل الأحاديث وإذاعتها شفاها . فهذا الشعبي الذي يمثل وجهة نظر أهل الحديث في تدوين النصوص تستخدمه مدرسة الرأي المضادة للتدوين لتعزيز وجهة نظرها ورويت عنه أنه قد سمع من فم الخليفة عبد الملك حديثا فطلب منه الإذن بقيده . فأجابه الخليفة قائلا : « نحن معاشر الخلفاء لا نستكتب أحدا شيئا » « 2 » .
ونجد في كتب التاريخ وفي مختلف العصور الإسلامية الكثير من العلماء من يدعو إلى حفظ الحديث ، والاعتماد على الذاكرة في نقله وروايته والتنديد بكتابته ، والدعوة إلى عدم الاعتماد على التدوين في الحفظ والنقل . ويذهب بعضهم في المبالغة حدّا يسند فيه إلى قاضي الموصل أبي بكر محمد بن عمر التميمي ( ت 355 ه ) من أنه كان يحفظ على ظهر قلب 200 ألف حديث . وكان العلماء يطلبون من رواة الحديث أن ينقلوه بحرفه لا بمعناه . ولكن بمرور الزمان وتتالي الحوادث أصبح أداء الحديث لفظا من الأمور الصعبة فأجاز العلماء روايته بالمعنى « 3 » .
ونحن بعد أن استعرضنا عليك آراء « جولد زيهر » حول كتابة الحديث وتدوينه ، فإننا نود أن نرد على بعض شبهاته على النحو التالي :
يقرر « جولد زيهر » منذ البداية أن المسلمين قد بدءوا في تدوين الحديث منذ عصر مبكر ، ويورد العديد من الصحف القديمة التي قيل : إن أصحابها قد سجلوا فيها أحاديث مرفوعة إلى الرسول . ولكنه يعود ويشكك في قيمتها بحجة عدم وجودها إلى الآن بحيث يستحيل على الباحث التحقق من صحتها . ولكن الثابت أن معظم هذه الصحف - وقد ضاع أصلها - قد نقلت بكاملها أو أجزاء منها فمن ذلك صحيفة عبد اللّه بن عمرو بن العاص حفظت في مسند الإمام أحمد . وإن صحيفة أبي هريرة
هامش
( 1 )Ibid , p . 247 .( 2 ) ياقوت المستعصمي ، أسرار الحكمة ، استامبول ، 1300 ، ص 91 ذكره جولد زيهر في كتابه المنوه عنه ، ص 248 ، هامش رقم ( 1 ) .
( 3 )Goldziher ; E . T . I . op , cit , p . 249 .