حسب زعمه - ينزعون إلى جواز تقييد السنة ، وأهل الرأي ينزعون إلى النهي عن الكتابة وإثبات عدم تقييد العلم تمهيدا لإنكار صحته وإنكار الاحتجاج به .
وهذه الشبهة مردودة لأن هناك من أهل الرأي من أقر كتابة الحديث كحماد بن سلمة ، والليث بن سعد ، ويحيى بن سعد ، ويحيى بن الليمان وغيرهم ، ومن المحدثين من كره الكتابة كابن عليّة ، وهشيم بن بشير ، وعاصم بن ضمرة وغيرهم « 1 » .
ومن هنا نفهم أن النهي عن تقييد الحديث أو إباحته ليس انعكاسا للصراع الفكري بين مدرستي أهل الرأي وأهل الحديث ولكنه مستند فيها إلى أحاديث وآثار بعضها ينهى عن التدوين وبعضها الآخر يبيحه . ولقد أشرنا في صدر هذا المبحث إلى التوفيق بين هذين الاتجاهين المتعارضين نظرا لتطور الكتابة ، واتساع العلم والعلماء وغيرها من الأسباب التي أدت في النهاية إلى تغليب وجهة نظر أهل التدوين على وجهة نظر المانعين له .
أشار « جولد زيهر » في نهاية بحثه عن كيفية تطور رواية الحديث لفظا إلى أن أصبح يؤدى معنى . ونحن نود توضيح هذه القضية منعا لأي لبس أو غموض حاول جولد زيهر إسباغه عليها . وقد اختلف العلماء حولها فمنهم من ذهب إلى عدم جواز رواية الحديث بالمعنى مثل ابن سيرين ، وثعلب وأبي بكر الرازي . وذهب آخرون إلى جواز ذلك عندما يكون الراوي عارفا بدقائق الألفاظ بصيرا بمقدار التفاوت بينها « 2 » .
وقد استند كل فريق إلى طائفة من الأحاديث والآثار التي تؤيد وجهة نظره . ونحن لا يعنينا الدخول في تفاصيل هذه القضية بقدر ما يعنينا الإشارة إلى أن رواية الحديث بالمعنى لا يقصد منها إطلاقا أنها موضوعة بآخرة لتحقيق أي غرض من الأغراض . لأن طبيعة الأمور قد تقتضي ذلك ، فالذاكرة مهما كانت قوية قابلة للنسيان . والحديث لم يدون بكامله منذ الزمن الإسلامي المبكر . وهناك من سمع أحاديث عن الرسول . ولا يفترض أن الناس جميعهم قد سمعوا أو شاهدوا أقواله أو أفعاله أو تقريراته . وبالتالي فإن التفاوت في الرواية والاختلاف في أداء الألفاظ من الأمور العادية التي تحدث في كل زمان ومكان . يضاف إلى ذلك أن الحديث لم تسبغ عليه تلك القدسية التي أسبغت على القرآن منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية فتساهل المسلمون في روايته حتى وإن
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي ، تقييد العلم ، مقدمة ناشره د . يوسف العشي .
( 2 ) الطاهر الجزائري ، توجيه النظر ، ص 298 ، أورده أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية ، المرجع السابق ، ص 56 .