والخارجة عن نطاق الفحص والتدقيق لا اعتراض عليها لأنها أصبحت واقعا عمليا صحيحا في نهاية القرن الأول الهجري . ورأينا في مناسبة سابقة أن تدوين الحديث في الكراريس منذ عهد الزهري كان أمرا طبيعيا . ويقول جولد زيهر : إننا عندما نتحدث عن الكتب في تلك العصور القديمة فإننا لا نعني بها الكتب بالمعنى الأدبي للكلمة .
ولكننا نعني بها مجموعة الملاحظات والمدونات وقصاصات الأوراق التي تحتوي على الأحاديث وأقوال التقاة المسجلة كتابة للاستعمال الشخصي . وبدلا من أن يسمع الراوي نفسه الحديث أو يقرأه في تلك الصحف فإن العادة قد جرت بقيامه بنسخ ما احتوته تلك الكراريس من معلومات بحيث يشكل محتواها مادة حديثية لها قيمتها العلمية « 1 » . ومن هذه الكتب ما جمعه عبد اللّه بن لهيعة ( ت 174 ه ) ، وكان ضياعها في حريق أتى عليها مصدر مرارة كبيرة للاخباريين المسلمين . وبعد هذه الكارثة لم تعد تستند أخبار ابن لهيعة إلى قواعد مكتوبة وبالتالي فإنها لم تعد بمثل تلك الدرجة من الأصالة التي كانت تمثلها تلك الكتب قبل ضياعها « 2 » . وهذا الإمام مالك يستخدم نصوصا مكتوبة عندما يعلّم مريديه ، فكان السامع يقرأ النصوص والإمام مالك يصححها ويفسرها ويشرحها . وبمضي الوقت أصبح تعبير « يدون كلامه » معادلا ل « ناقل جدير بالثقة » « 3 » .
ومما لا شك فيه أن تدوين الحديث أصبح أمرا واقعا وعاما إلا أنه لم يخل من معارضة ، لأن الخلاف النظري بين الرأيين المتعارضين حول النهي عن كتابة الحديث أو السماح به قد امتد إلى أحقاب طويلة لاحقة . ولا يزال إلى الآن - وحتى بعد انتشار الطباعة الحديثة - من يميل إلى حفظ الحديث شفاها ونقله بنفس الطريقة . واستخدام كل فريق الأحاديث النبوية لتعزيز وجهة نظره ، وقد تعرّضنا في مقدمة هذا المبحث إلى الأحاديث التي تعارض الكتابة وإلى تلك التي تبيحها ولم يقتصر الأمر على استخدام الأحاديث لتعزيز كل فريق لوجهة نظره ، ولكنهما استخدما الحكم والأمثال كذلك .
فهؤلاء أنصار الكتابة ينشرون في الآفاق مقولات تغلّب الكتابة على النقل شفاهة مثل « كل علم ليس في القرطاس ضائع » و « ما يحفظ مر وما كتب قر » . واستخدم الشعر أيضا
هامش
( 1 )Ibid , p . 243 .( 2 )Ibid , p . 243 .( 3 )Ibid , p . 244 .