تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
أهل العلم : إنه حديث موقوف عليه فلا يصلح للاحتجاج به . وروي هذا الرأي عن البخاري وغيره « 1 » . وهناك من ذهب إلى أن الأحاديث المبيحة لكتابة الحديث نسخت الأحاديث الناهية عنه . خاصة عندما كثر عدد المسلمين ، وانتشرت الكتابة بينهم ، وأصبح التمييز واضحا بين القرآن والحديث ، وقد قال الرامهرمزي : إن حديث أبي سعيد أحسب أنه كان محفوظا في أول الهجرة ، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن « 2 » . وقد ذهب إلى هذا الرأي كل من ابن قتيبة والأستاذ أحمد محمد شاكر وغيرهم . وهو رأي جيد صالح لإزالة التعارض بين الأحاديث التي أوردناها لك . أما ما روي عن أبي بكر وغيره من الآثار الدالة على النهي عن الكتابة فإنها لا تستقيم والمنطق السليم . وآية ذلك أن أبا بكر لا يمكن أن يجمع هذا القدر من الأحاديث وهو يعلم سلفا أن الرسول قد نهى عن تدوينها ، ثم يعمد إلى إحراقها قبل وفاته خوفا من التحريف على الرسول . وأن عمر بن الخطاب قد استخار اللّه في كتابة الأحاديث ثم عدل عنها لرأي رآه . ولو كان النهي عنها ظاهرا لما فكر أصلا ولا استخار اللّه في كتابتها . ونحن نرى أنه ليس هناك سبب واحد مقنع يحمل الرسول على النهي عن كتابة أحاديثه وهو يعلم علم اليقين أن ما يصدر عنه عبارة عن وحي يوحى إليه به . وأنه من مصادر التشريع الإسلامي . ولكنه ربما خشي الخلط في بداية الأمر بينها وبين القرآن فتحفّظ على الكتابة ثم أباحها بعد أن زالت الأسباب المانعة لها ، ثم يتضح لنا خشيته إذا علمنا أن هذا النهي قد انصب على عدم كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة . وقد ذكر هذا صراحة الخطابي في « معالم السنن » عندما قال : « وقد قيل : إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة ، لئلا يختلط به ، ويشتبه على القارئ ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا ، وتقييد العلم « الحديث » منهيا عنه فلا » « 3 » .
هامش
( 1 ) محمد عجاج الخطيب ، السنة قبل التدوين ، المرجع السابق ، ص 306 . وقد رفض الخطيب عدم الاحتجاج بحديث أبي سعيد الخدري لأنه موقوف عليه ، واحتج بصحته حالة كونه ثابتا عند مسلم . وهذا رأي غير مقنع ، فليس كل حديث ثابت عند مسلم صحيحا . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 307 . ( 3 ) الخطابي ، معالم السنن ، ج 4 ، ص 184 .