لا نراها وجيهة فيما سطرت من أجلها لأن كلّ هذه الاعتبارات ليست مقبولة من الناحية الواقعية أو التاريخية .
ونحن نرى - مع آخرين - أن تدوين السنة بدأ في عصر مبكر من عصور الدعوة الإسلامية . ولا يمكن الركون إلى تلك الأحاديث التي استشهد بها منكرو تدوين السنة في عصر مبكر لأنها تتناقض والمبادئ العامة التي ينادي بها الإسلام في نشر العلم والمعرفة والثقافة ناهيك بالسنة التي تعتبر المصدر التشريعي الثاني ، فلا يعقل أن ينهى الرسول عن كتابتها ، ولكن ربما يفهم من تلك الأحاديث أن النهي عن الكتابة الوارد فيها كان من باب الاحتياط والتحرز حتى لا يختلط القرآن بالحديث في صحيفة واحدة .
ونحن نستعرض عليك تلك الأحاديث الناهية عن الكتابة ، وتلك الأحاديث التي تسمح بها لكي تجري منهج المطابقة والمقابلة بينهما وتتضح لك الحقيقة من الخيال .
قال رسول اللّه : « لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج » « 1 » . وقال أبو سعيد الخدري : « جهدنا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأذن لنا في الكتابة فأبى » « 2 » . وحدّث أبو هريرة قائلا : « خرج علينا رسول اللّه ونحن نكتب الأحاديث فقال : ما هذا الذي تكتبون ؟ قلنا : أحاديث نسمعها منك . قال : كتاب غير كتاب اللّه .
أتدرون ؟ ما أضلّ الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه تعالى » « 3 » .
ومما روي من الآثار في الخصوص أن عائشة قالت : جمع أبي الحديث عن رسول اللّه فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب قالت : فغمّني كثيرا فقلت يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه ، فلمّا أصبح قال : أي بنيّة ، هلمي الأحاديث التي عندك . فجئته بها فأحرقها وقال : خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني ، فأكون قد تقلدت ذلك » « 4 » . وهناك آثار كثيرة نسبت إلى عمر وزيد بن ثابت تفيد منع تدوين الحديث .
ولكن في مقابل الأحاديث الناهية عن الكتابة هناك أحاديث تبيح ذلك مثل حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص الذي أخبر كيف كان يكتب كل شيء يتفوه به الرسول
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الزهد والرقاق ، باب التثبت من الحديث ص 2298 .
( 2 ) الخطيب البغدادي ، تقييد العلم ، ص 32 - 33 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 34 .
( 4 ) محمود أبو رية ، المرجع السابق ، ص 23 وذكر مصادره تذكرة الحفاظ ، وجمع الجوامع ، والبغدادي في تقييد العلم ، ولم يذكر الصفحات والطبعات .