تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
فنهاه بعض الصحابة عن ذلك لأن النبي بشر يتكلم في الغضب والرضا ، ولما ذكر ذلك للرسول أومى بإصبعه إلى فيه وقال : « اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حق « 1 » . ولعلنا نورد لك حديث أبي هريرة القائل : إنه ما من أحد أكثر حديثا عن الرسول منه إلا ما كان من عبد اللّه بن عمرو فإنه كان يكتب وكان هو لا يكتب « 2 » . وقابل قوله هذا بذلك الحديث الذي رواه عن الرسول والذي ينهى عن كتابة الأحاديث حتى يبين لك هذا التضارب بين القائلين بالنهي عن الكتابة وبين المبيحين لها . وهذه قصة كادت تكون روايتها متواترة من قدوم رجل من اليمن وطلبه من بعض الصحابة أن يكتبوا له خطبة النبي بعد الفتح فلمّا استأذنوا الرسول في ذلك قال « اكتبوا لأبي شاه » « 3 » . وقد ثبت عن الرسول أنه كتب كتبا في الصدقة ، وأبرم معاهدات مكتوبة مع أهل مكة واليهود ، وأرسل مكاتيب إلى الملوك والأمراء المجاورين له . وكل ذلك يؤدي إلى ترجيح إباحة الكتابة على النهي عنها . ولكننا لا نكتفي بما ذكرناه باقتضاب عن ترجيح الإباحة على النهي دون تحليل سائغ . فهذه الأحاديث المتعارضة لا يمكن تفسيرها إلا خشية الرسول في بداية الأمر من اختلاط الحديث بالقرآن وكان الناس حديثي العهد بالكتابة وبالقرآن . وربما يكون من نتيجة هذا الاختلاط ضياع القرآن والتضارب في صحته فيلحقه التحريف مثلما لحق بالكتب المقدسة الأخرى . فلما اتسعت الكتابة ، ولم يعد يخشى على القرآن من الخلط بالحديث سمح بكتابته . ثم إن الرسول قد وثق ببعض الكتّاب الحاذقين وطلب منهم الاستمرار في تدوين الحديث مثل عبد اللّه بن عمرو بن العاص وهو يعلم أنهم لا يخلطون بين القرآن والحديث . أما حديث أبي هريرة - الآنف بيانه والداعي إلى النهي عن الكتابة - وتعارض مع ما روي عنه من أن ابن عمرو كتب وهو لم يكتب ، فإنه يدل على أمر واحد وهو عدم صحة الحديث المروي منه عن الرسول بالنهي عن الكتابة . إذ لو كان ذلك الحديث صحيحا لما أشاد بابن عمرو الذي كتب الحديث . ولكان ندد به وشنّع عليه حالة كونه قد خالف الرسول فيما نهى عنه . أما الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري حول النهي عن الكتابة فقد قال عنه
هامش
( 1 ) سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 125 . ( 2 ) البخاري ، ج 1 ص 38 . ( 3 ) الخطيب البغدادي ، تقييد العلم . المرجع السابق ، ص 89 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 543 | ساسي سالم الحاج