وبالتالي فلا يمكن لأحد الجزم على وجود تدوين عند الجاهليين « 1 » .
لكن جميع الشواهد تدل على معرفة العرب قبل الإسلام للكتابة كوجود الكتابات المنقوشة على الأحجار في شمال الجزيرة العربية ، وتلك المنقوشة على ألواح الطين والأحجار في جنوب الجزيرة العربية . وتوافر مصطلحات الكتاب ووسائلها لديهم ، وتأكيد أن بعضا منهم مثل عدي بن زيد العبادي كان حاذقا في الكتابة بالعربية والفارسية . ووجود الكتاتيب المستخدمة لتعليم القراءة والكتابة وقد تخرج فيها العديد من أهل مكة ممن اشتهروا إبان الدعوة الإسلامية كأبي سفيان ، وبشر بن عبد الملك السكوني ، وأبي قيس بن عبد مناف بن زهرة وغيرهم ، وقد استقدم أبو جفينة إلى المدينة ليعلم الكتابة « 2 » .
ومع ذلك لا يذهب بنا الظن إلى أن الكتابة كانت منتشرة في جميع الأوساط العربية ولكنها كانت محصورة العدد ومقتصرة على بعض سراة القوم من التجار الذين تضطرهم طبيعة أعمالهم التجارية إلى الإلمام بالقراءة والكتابة . ولكنهم لم يكونوا فقط بضعة عشر رجلا ممن يعرف القراءة فقط - كما ذكر في بعض المصادر « 3 » - بل كانوا حتما يزيدون على ذلك بكثير .
وبعد ظهور الإسلام انتشرت الكتابة نظرا لحث الإسلام على العلم والتعلّم .
واقتضت تطورات الدعوة الإسلامية زيادة كتبة الوحي عن الرسول الذين استخدمهم لتدوين القرآن وكتابة بعض معاهداته ومراسلاته للملوك والأمراء المجاورين له . ثم اتسع نطاق الكتابة وكثر من يزاولها بعد الهجرة ، والفتوحات الكبرى وازدياد الحركة العلمية التي شملت جميع ميادين الحياة حتى أصبحت بذلك الخصب والثراء المعروفين لدينا إلى الآن .
تعرضنا في مباحث سابقة إلى كيفية تدوين القرآن وجمعه ورسمه واهتمام المسلمين به نظرا لمتطلبات الظروف ومواجهة الأحوال المستجدة . واستقر في أذهان الكثير من الباحثين أن عدم تدوين السنة يرجع إلى نقص في أدوات الكتابة وندرة في الكتابة . وأن الرسول قد نهى عن كتابة الحديث حتى لا يختلط بالقرآن . وهذه الأسباب
هامش
( 1 ) هاملتون جب ، دراسات في حضارة الإسلام ، دار العلم للملايين ص 294 وما بعدها .
( 2 ) الطبري ، تاريخ ، المرجع السابق ، ج 5 ، ص 42 .
( 3 ) طبقات ابن سعد ، قسم 2 ، ج 3 ، ص 83 .