تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
هو ضرب من ضروب الوجادة لأن حفاظ الحديث عن طريق التلقين والسماع أصبحوا نادرين جدا في أيام الناس هذه ، خاصة بعد أن أصبحت الكتب واسعة الانتشار بفضل تطور الطباعة الحديثة . فإذا كانت الأحاديث قد تطورت من حيث توثيقها وفحصها وتدقيقها على النحو الذي أتينا على ذكره في المباحث السابقة ، فإن الأمر يقتضي منا أخيرا التعرض إلى تدوين الحديث باعتباره التطور النهائي الذي وصل إليه عبر سلسلة من المعايير استخدمت جميعا للتمييز بين الصحيح والموضوع فكيف تم تدوين الحديث ؟ وفي أي عصر بدأ ؟ وما مميزاته في هذه المرحلة ؟ هذا ما سنعالجه في المبحث المقبل .

المبحث السادس المستشرقون وتدوين الحديث

كان التدريس معروفا لدى العرب قبل الإسلام ، لوجود العديد من النصوص العربية منقوشة على الأحجار وإن كانت قد كتبت بلهجات عربية متنوعة تختلف عن لغة القرآن . وأهم النصوص العربية القريبة من لغة القرآن هما نصّ « النّمارة » ، ونص « حرّان » المدون عام 568 م « 1 » . اختلف العلماء حول وجود مدونات عربية للنثر والشعر ، فبعضهم يرى وجودها في ما يتعلق بالنثر وينفي وجودها في الشعر . وبعضهم الآخر يرى تدوينها جميعا ، والسبب في عدم عثورنا عليها يرجع إلى أنها مكتوبة على مواد قابلة للتلف ، مثل الجلود والخشب والعظام ، ولذلك فهي قابلة للزوال والتآكل خاصة مع عدم توافر وسائل الحفظ السليمة . وذهب بعض المستشرقين إلى عدم وجود مدونات للأدب العربي قبل الإسلام سواء أكان شعرا أم نثرا ، لأن الأمر لو كان خلاف ذلك لما خفي ذكرها ولتحدث بها الركبان . وأنه لو كان عرب الجاهلية قد زاولوا الكتابة والتأليف لما ورد الشعر وبعض الحكم والأمثال رواية ولم يرد كتابة . ولو كان التدوين متداولا بينهم لسار على هديهم من جاء بعدهم في الإسلام ، ولكن ليس هناك من ذكر اسم مدوّن من مدونات الجاهلية
هامش
( 1 ) جواد علي ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 1 ، ص 189 .