كما أورد « جولدزيهر » مقالة الغزالي حول هؤلاء الناس الذين يذهبون في رحلات طويلة لغرض طلب الحديث وهي لا تخرج عن فحوى مقالة الخطيب البغدادي مستشهدا بها على الحالة السيئة التي وصل إليها الحديث من جراء تصرفات هؤلاء النقلة الذين لا يعرفون كيف ينقلون ولا يتحرون الدقة فيما يأخذون وممن يأخذون .
وبعد أن يستعرض « جولدزيهر » تطور الحديث في القرن الخامس الهجري ، يشير إلى إنشاء أول مدرسة لعلم الحديث ، « دار الحديث » التي أسسها « نور الدين محمد بن أبي سعيد الزنجي » ( ت 569 ) المعروفة « بالمدرسة النورية » وقد تخصصت في تدريس علم الحديث . ويحذو حذوه بمصر الأمير الأيوبي الملك الكامل « نصر الدين » فينشئ عام 622 ه دار الحديث بالقاهرة . وبعد استعراضه لمثل هذه المؤسسات العلمية ينقل إلى الحديث عن « الإجازة » كطريق من طرق تحمّل الحديث والتي يراها قد حلّت محل الرحلة في طلب الحديث ، بحيث يستطيع الطالب بموجبها تلقي الحديث عن شيخه دونما حاجة إلى البقاء معه مدة طويلة ، ثم يجيز الشيخ تلميذه برواية مسموعاته أو مؤلفاته . ولو لم يسمعها منه أو يقرأها عليه .
ويرى « جولدزيهر » أن الإجازة قد انتشرت بكثرة بداية من القرن الخامس الهجري وضاهت « السماع » في قوتها وعلوها . وأنه منذ هذا التاريخ أصبح معظم فقهاء وعلماء المسلمين الكبار من الذين يمنحون الإجازة ويؤدونها . مثل القاضي عياض ( ت 544 ) الذي تلقى الإجازة عن كتاب « أبي بكر الطرطوشي » المسمى ب « سراج الملك » وأبي طاهر السلفي الذي كتب صحفا كثيرة للزمخشري المقيم بمكة للحصول منه على « إجازة » لإذاعة كتبه وروايتها . وغيرهم كثيرون « 1 » .
وأخيرا يقرر جولدزيهر أن الإجازة لا تمنح لتحمّل الأحاديث وأدائها فحسب ولكنها تعطى كذلك للمؤلفات الأدبية سواء أكانت متعلقة بالعلوم الدينية أم الدنيوية ، وتتبع نفس المناهج المتبعة في تحمل الأحاديث ولكن يطلق عليها « الوجادة » « 2 » .
ولكننا رأينا آنفا أن الوجادة هي إحدى طرق تحمل الحديث الصحيحة ، ولا تقتصر على الكتب الأدبية أو اللغوية فحسب . خاصة أن جميع ما ننقله من كتب الحديث الصحيحة
هامش
( 1 )Goldziher , op , cit , p . 236 .( 2 )Ibid , p . 237 .