تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
لأنه لما رجع من رحلته الطويلة كانت كتبه - كما قيل - حمل أربعين بعيرا « 1 » . ويتحدث « جولدزيهر » عن الرحلة للمتاجرة بالحديث ذلك أن هذه الرحلات كانت في بداية أمرها للمعرفة والعلم والتحقق من وجود أحاديث يحملها رواة منتشرون في أصقاع متفرقة بعيدة ، ولكن ما لبثت هذه الرحلات أن اتخذت طابعا تجاريا . ويورد « جولدزيهر » أمثلة عديدة على ذلك جميعها مستقاة من الكتب العربية القديمة . ولكن العلماء تصدوا إلى هؤلاء المتاجرين بالحديث ، وينصحون طلبة العلم قائلين « علّم مجانا كما علّمت مجانا . ويستندون في ذلك إلى الكتب السماوية التي تنص على أن التعليم مجانا . كما يستندون إلى أحاديث نبوية تحثّ على التعلم المجاني فهذا عبادة بن الصامت علّم أناسا من أهل الصّفّة الكتاب والقرآن ، فأهدى إليه رجل منهم قوسا رمزا للشكر والعرفان بالجميل . فاستفتى عبادة النبي عن هذه الهدية فيفتيه الرسول قائلا : « إن كنت تحب أن تطوّق طوقا من نار فاقبلها » « 2 » . ويذكر « جولدزيهر » أنه بعد انقضاء الأيام وتوالي الأزمنة وتعاقب الأجيال تتحول تلك الرحلات العلمية الجادة إلى رياضة يطلب فيها بعد الصيت ، والبروز في سلسلة الإسناد . وقد كثرت هذه الرحلات - الرياضية - في القرن الهجري الثالث . وانتهت إلى أسوأ النتائج في القرن الخامس الهجري مما أدى بالعلماء الأتقياء إلى معارضتها والتنديد بالقائمين بها . وأشهر من قام بذلك أبو بكر بن أحمد المعروف بالخطيب البغدادي ( ت 463 ه ) الذي ذكر في مقدمة كتابه « الكفاية في علم الرواية » تلك الحالة السيئة التي كان عليها رواة الحديث والطالبون له فيقول « بل قنعوا من الحديث باسمه ، واقتصروا على كتبه في المصحف ورسمه . فهم أغمار ، وحملة أسفار » « 3 » . وينقل « جولدزيهر » صفحة كاملة من مقدمة كتاب « الكفاية في علم الرواية » وهي تبين باختصار حال هؤلاء الناس الذين يتجشمون الصعاب ، ويبذلون الأنفس والأموال طلبا لما علا من الإسناد ، ولا يريدون شيئا سواه ، فيحملون عمن لا تثبت عدالته ، ويأخذون ممن لا تجوز أمانته ، ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه ، ولا يفرقون بين السماع والإجازة ، ولا بين المسند والمرسل ، والمقطوع والمتصل . . . الخ « 4 » .
هامش
( 1 )Ibid , p . 223 .( 2 )Ibid , pp : 224 - 225 .( 3 )Goldziher , op . cit , p . 227 .( 4 ) الخطيب البغدادي ، الكفاية في علم الرواية ص 3 - 4 ذكره جولدزيهر في كتابه ص 227 .